في وقت تتزايد فيه مظاهر التزييف الفكري والسلوكي، وتتعدد أساليب التأثير على العقول والقلوب، تتجدد الدعوات إلى ترسيخ الوعي والتمسك بمنهج العلم كخط دفاع أول في مواجهة الانحرافات.
معركة الإنسان مع الشيطان
وفي هذا السياق، أكد الدكتور محمود صديق، نائب رئيس جامعة الأزهر الشريف، أن معركة الإنسان مع الشيطان ليست لحظة عابرة، بل مسار متدرج يبدأ بخواطر عابرة وينتهي – إن لم يُنتبه له – بالاستحواذ الكامل على القلب.
خريطة واضحة لمراتب التدرج
وأوضح أن القرآن الكريم رسم خريطة واضحة لمراتب هذا التدرج، داعيًا إلى اليقظة الدائمة، والالتزام بالقيم الإيمانية، واجتناب مقدمات المعاصي حفاظًا على صفاء النفس واستقامة السلوك.
وأكد الدكتور محمود صديق، نائب رئيس جامعة الأزهر الشريف، أن الرسالة الأولى في الوحي الإلهي جاءت لترسيخ قيمة العلم والقراءة وبناء الوعي، مستشهدًا بآيات سورة العلق وافتتاح سورة القلم، موضحًا أن هذه البداية لم تكن عابرة، بل وضعت أساسًا حضاريًا يقوم على المعرفة والإدراك والوعي، في مواجهة كل صور التزييف والانحراف الفكري والسلوكي.
العروبة والإسلام
وأشار الدكتور محمود صديق، خلال حلقة برنامج «قرأت» على قناة الناس، إلى استمرار الحديث عن كتاب «وحي القلم» للأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي، الذي فرغ من تأليفه قبيل وفاته عام 1937.
وأوضح أن الكتاب يحمل أبعادًا اجتماعية وثقافية واضحة، ويتضمن دفاعًا عن العروبة والإسلام، وعن الأزهر الشريف، وعن النبي صلى الله عليه وسلم، إلى جانب تناوله لقضية «تلبيس إبليس» وتحذيره من مكايد الشيطان المتدرجة في عداوته للإنسان.
مراتب عداوة إبليس
وبيّن صديق أن القرآن الكريم عرض مراتب عداوة إبليس بصورة دقيقة، تبدأ بـ«النزغ» كما في قوله تعالى: «وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله»، ثم «المس» في قوله: «إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا»، ثم «الوسوسة» التي ظهرت في قصة آدم عليه السلام، وصولًا إلى «الاستحواذ» حيث ينسى الإنسان ذكر الله، وأخيرًا أخطر المراحل وهي «العبودية» حين يخضع الإنسان لإغواء الشيطان ويتبعه.
حكاية أبي عامر قبيصة بن عقبة الكوفي
وأوضح أن الرافعي تناول في «وحي القلم» قصة رمزية بعنوان «إبليس يعلم»، أورد فيها حكاية عن أبي عامر قبيصة بن عقبة الكوفي، أحد شيوخ الإمام أحمد بن حنبل، الذي عُرف بالزهد والعبادة حتى لُقب براهب الكوفة، مشيرًا إلى أن القصة تكشف كيف يتسلل الشيطان إلى القلب عبر التزيين والتزوير، مستغلًا شهوات النفس ومحبة الدنيا.
وأكد أن الشيطان لا يجد سبيلًا إلى قلب امتلأ بالصدق في الفكر والنظر والفهم، لأن موضع عمله هو الكذب والتزييف، مستشهدًا بقوله تعالى: «هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم»، موضحًا أن اللذات المحرمة سرعان ما تزول ويبقى أثرها من الذنوب، وأن الحنين إليها بعد انقضائها أحد أخطر أبواب الإغواء.
سدّ الذرائع واجتناب مقدمات المعاصي
وشدد نائب رئيس جامعة الأزهر الشريف على أهمية سدّ الذرائع واجتناب مقدمات المعاصي، لافتًا إلى أن القرآن أرشد إلى غض البصر باعتباره حماية وقائية للنفس، كما حذّر من الجلوس في مواطن المعصية ومجالسها.
وأكد أن الوقاية تبدأ من الوعي، وأن اليقظة الدائمة هي السبيل لتحصين القلوب من تلبيس إبليس في زمن تتعدد فيه صور الخداع والتزييف.

