في زمنٍ تسارعت فيه الخطى نحو جمع المال وتضخمت فيه معايير الثراء المادي، بات الإنسان يُقاس بما يملك لا بما يحمل من قيم ومبادئ، وأصبح التكالب على الدنيا سمةً واضحة في سلوك كثيرين، حتى غابت الفلسفة التي حكمت نظرة السلف الصالح للحياة والمال.
رؤية متوازنة تعيد ترتيب الأولويات
فقد فهموا الدنيا على أنها معبر لا مستقر، ووسيلة لا غاية، وجعلوا المال في أيديهم لا في قلوبهم؛ ومن خلال استحضار نماذج مضيئة من تراثنا، تتجلى لنا رؤية متوازنة تعيد ترتيب الأولويات، وتُذكّر بأن ما يبقى حقاً ليس ما نملك، بل ما نقدّم من خير وعلم وأثر طيب.
مركزية العلم والوعي
من جانبه؛ أكد الدكتور محمود صديق، نائب رئيس جامعة الأزهر الشريف، أن أول ما نزل من الوحي الإلهي جاء مؤكداً على مركزية العلم والوعي في بناء الإنسان، مستشهداً بآيات سورة العلق: «اقرأ باسم ربك الذي خلق...»، وقوله تعالى: «نون والقلم وما يسطرون»، في دلالة واضحة على رفعة شأن القلم والفكر، وأن نهضة الأمة تبدأ من المعرفة لا من خزائن الأموال.
نظرة الإسلام الحقيقية لقيمة المال
وأشار خلال حديثه في برنامج «قرات» على قناة الناس، إلى كتاب وحي القلم للأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي، الذي فرغ من تأليفه عام 1937، وهو خلاصة مقالات فكرية عميقة نشرها في الصحف، ومن بينها مقال بعنوان "زي القصة وفلسفة المال"، الذي يعالج نظرة الإسلام الحقيقية لقيمة المال ومكانته.
قصة الإمام سعيد بن المسيب
وتوقف الحديث عند قصة الإمام سعيد بن المسيب، أحد كبار التابعين، حين زوّج ابنته لطالب علم فقير، رغم رغبة ولي عهد الخليفة عبد الملك بن مروان في الزواج منها. لم يكن قراره رفضاً لسلطان أو جاه، بل تعبيراً عن فهم عميق لفلسفة المال، وأن الكفاءة في الدين والعلم مقدّمة على الثراء والنسب.
وتكشف هذه القصة أن القيم لا يحدها زمن، فالفضيلة ممتدة الجذور في تاريخ الإنسان، بينما الرذيلة وإن تغيّرت مظاهرها تبقى واحدة في جوهرها، فالمال في التصور الإسلامي قوام للحياة، لكنه ليس غاية الوجود، وإنما وسيلة تُستخدم في الطاعة والخير.
وجسّد السلف هذا الفهم عملياً؛ فلم يكونوا طلاب دنيا، بل حملوا رسالة أخلاق قبل أن يحملوا راية فتح، فدخل الإسلام القلوب بسلوك أهله قبل أن تدخله الجيوش إلى البلاد، كانوا يرون الدنيا طريقاً إلى الآخرة، لا مستقراً دائماً.
ومن الشواهد المضيئة ما رُوي عن الإمام أحمد بن حنبل، حين خرج من محنته وأُهدي إليه مال وفير، فردّه رغم حاجته، في موقف يعكس زهداً صادقاً ويقيناً بأن ما عند الله أبقى.



