فسّر الدكتور حسن عبد الحميد وتد، أستاذ ورئيس قسم التفسير وعلوم القرآن بكلية الدراسات العليا بجامعة الأزهر، آياتٍ بيّناتٍ من كتاب الله الحكيم، وذلك في اليوم التاسع من شهر رمضان المبارك، متناولًا عددًا من المعاني الإيمانية والتربوية الواردة في القرآن الكريم، وبخاصة في سورة الأنفال، وذلك خلال برنامج «نورانيات قرآنية» المذاع على قناة قناة صدى البلد.
«الأنفال» وترتيبها ومعاني الخُمس
أوضح وتد أن سورة الأنفال تأتي في ترتيب المصحف بعد السبع الطوال، التي تبدأ بسورة البقرة وتنتهي بسورة التوبة على خلاف بين العلماء، مشيرًا إلى أن الآيات استُهلّت بقوله تعالى:
«وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ».
وبيّن أن جمهور العلماء أجمعوا على أن هذا الخُمس مخصص للرسول ﷺ وللمذكورين في الآية، وأن ذكر من جاء بعد الرسول فيها جاء جبرًا لخواطرهم وتشريفًا لمقامهم.
مقام العبودية.. أعلى مقامات التشريف
وأضاف أن الآيات أكدت مقام العبودية للنبي ﷺ في قوله تعالى:
«وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ»،
مبينًا أن مقام العبودية من أعظم مقامات التشريف، وقد وصف الله به جميع الأنبياء، ما يدل على رفعة هذا المقام وعظمته، وأن بقدر تحقيق العبد لعبوديته لله يكون فيض العطاء والربوبية عليه.
الثبات والطاعة ووحدة الصف.. مفاتيح النصر
وأشار إلى أن الآيات تضمنت كذلك أسباب النصر، مستشهدًا بقوله تعالى:«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ»،
مؤكدًا أن الثبات، والطاعة، ووحدة الصف، والصبر من أهم مقومات النصر والتمكين.
قانون التغيير وبناء القوة الشاملة
وتابع أن الآيات قدمت درسًا في «قانون التغيير» من خلال قوله تعالى:«إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ»،
مشددًا على أن الإنسان مطالب بتغيير حاله من المعصية إلى الطاعة حتى ينال فضل الله وتوفيقه، موضحًا أن الله لا يتغير من أجل العبد، بل على العبد أن يتغير ابتغاء مرضاة الله.
واختتم تفسيره بالإشارة إلى قوله تعالى:«وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ»،موضحًا أن الإعداد المقصود لا يقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل يشمل القوة العلمية، والاقتصادية، والاجتماعية، والنفسية، مؤكدًا أنها دعوة شاملة لبناء عناصر القوة كافة لنصرة الدين، لا للاعتداء، وإنما لحماية الأمة وتحقيق التمكين.

