تتفوق الدراما المصرية على ذاتها دوما، فلم تكتف بالتوثيق القريب للأحداث التي حدثت في العقد الأخير داخل القطر المصري، ولكن هذا العمل الثرى القيّم – صحاب الأرض- يوثق ما حدث خارج الحدود المصرية، في قطاع مكلوم في فترة زمنية قريبة وكأن التوثيق القريب جدًا هو سلاح تاريخي ضد تزييف الحقائق ، فعندما تشاهد مسلسل "صحاب الأرض" تشعر وكأنك تجلس داخل القطاع، فهو يراعي أدق التفاصيل حتى صوت الهاتف مجرد اهتزاز كي لا يربك الخلفية الصامتة المليئة بالركام ، المحتوي ثرى للغاية لأنه ليس محتوى درامي بل محتوى إنسانى حقيقي حدث ! وكأنه بيان سياسي مشٌفر ووثيقة شعبية، يتجاوز حدود الترفيه ويحكى سردية واقعية جدًا، يحكى عن شعب صامد وبطل ولكنه يريد العيش والبقاء، يريد أن يجد المأكل والمشرب، يريد أن يفرح، متطلبات الإنسان العادي.
فالعمل لا يخاطب السياسة، بل يخاطب الضمير الإنساني، وهنا يمكننا القول بأن الفن يمكن أن يكون ساحة مقاومة هادئة ولكن عميقة الأثر.
المسلسل يوثق الدور المصري من أطباء وسائقين الشاحنات وتواجد اللجنة المصرية في القطاع على الأرض لتكون ملاذا ،كما يوثق التحديات الكثيرة التي واجهوها لدخول الأجهزة الطبية والمستلزمات.
ومن هنا يمكن أن ندرس الآثار النفسية والأبعاد لذلك العمل على الفلسطينيين وسكان غزة المتضررين وهم الأبطال الحقيقيين للعمل ، ربما مشاهدتهم لتلك الحلقات قد تزيد من ألمهم ولكنها حتمًا ستؤكد لهم أن القضية وتلك المعاناة تم تدويلها بشكل كبير ووصلت لكل إنسان على وجه الأرض ، فالمسلسل مترجم إلى الإنجليزية وبعض من المعلومات التي تأتى في نهاية الحلقة مترجمة أيضًا للعبرية ولذا أتصور أنهم سيشعرون بارتياح نفسي أن الصوت الفلسطيني وصل إلى العالم كله بعمل درامي مصر حقيقي.
أمّا عن الأصداء الخارجية ، فالعمل قيم من الناحية الفنية أيضًا ، غير مبالغ فيه أو مبتذل، فالعمل اعتمد على كادرات ضيقة وإضاءة خافتة وكأن الشخصيات محاصرة وأحيانا تتسع اللقطة اتساع السماء مقابل ضيق الواقع ، وبالطبع كانت الأصداء في الجانب الإسرائيلي صارخة تهاجم ذلك العمل وهنا عندما تكون الدراما كاشفة إلى هذا الحد وتكشف الوجه الحقيقي للأفعال البشعة التي ارتكبها جيش الاحتلال ، حتمًا سيكون ذلك نوع من أنواع الردع بشكل أو بأخر ، وكأنه سلاح موجه في وجه قوات الاحتلال يخفيهم من مزيد من الكره والرفض من العالم وهو أكثر شئ يخيفهم.
ربما لا يغير مسلسل مسار التاريخ، ولكنه يغير طريقة النظر إلى القضية، لا يحرر أرضًا ولا يحشد جيشًا، بل يحشد وعيًا وفى معركة الوعي، كثيرًا ما يبدأ الانتصار بصورة.