قالت أستاذة العلوم السياسية الأردنية الدكتورة أريج جبر إن إقرار كنيست دولة الاحتلال الإسرائيلي لما يُعرف بـ"قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين" يمثل انزلاقًا خطيرًا نحو شرعنة القتل تحت غطاء تشريعي، في تعارض صارخ مع أبسط مبادئ العدالة وحقوق الإنسان.
وأضافت الدكتورة أريج جبر - في تصريح لوكالة أنباء الشرق الأوسط - أنه لا يمكن قراءة إقرار ما يُعرف بقانون إعدام الأسرى بمعزل عن السياق الأوسع للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، والتي اتسمت تاريخيًا بطابع تمييزي، لكنها تشهد في المرحلة الراهنة تصعيدًا نوعيًا من حيث الشدة والنطاق، إذ لم يعد الأمر مقتصرًا على عقوبات فردية موجهة لسلوك محدد، بل يتجه نحو تكريس نمط من العقاب الجماعي المقنن الذي يستهدف المكون الفلسطيني بوصفه جماعة، في إطار تحول أعمق يعكس إعادة توظيف الأدوات القانونية داخل سياق الصراع.
وأشارت إلى أن تمرير هذا القانون يعكس تحولًا نوعيًا في البنية التشريعية الإسرائيلية، حيث باتت القوانين تُصاغ ضمن منطق أحادية الدولة، مع تكريس ازدواجية قانونية تقوم على وجود منظومة مدنية للإسرائيليين في مقابل منظومة جنائية عسكرية وعقابية موجهة للفلسطينيين.
وتابعت أن هذا التشريع لا يمثل مجرد تعديل في السياسة العقابية، بل يعكس المزاج السياسي والقانوني السائد، ويعيد صياغة العلاقة بين القوة القائمة بالاحتلال والسكان الواقعين تحت سيطرتها، من خلال توسيع نطاق العقوبات القصوى وعلى رأسها الإعدام.
ونوهت بأن خطورة التشريع تبرز في طبيعته القانونية التي تنقل الإعدام من كونه عقوبة استثنائية محدودة التطبيق إلى أداة قابلة للتفعيل في سياق الصراع، فرغم أن هذه العقوبة ليست مستحدثة في المنظومة القانونية الإسرائيلية، إلا أن التشريع الجديد يسعى إلى توسيع نطاق الجرائم التي يُطبق عليها الإعدام، وتخفيف القيود الإجرائية المرتبطة بإصداره، وتعزيز طابعه الردعي، بما يحوله إلى أداة سياسية بغطاء قانوني.
وقالت "وعلى مستوى الصياغة، فإن ربط فرض عقوبة الإعدام بهدف سياسي يتمثل في نفي وجود الدولة يفتقر إلى التحديد القانوني الدقيق، ويدخل عنصرًا سياسيًا وهوياتيًا في توصيف الجريمة بدل الاقتصار على الفعل الجنائي ذاته، وهو ما يفتح المجال أمام تأويلات واسعة ويمنح القضاء سلطة تقديرية كبيرة قد تتأثر بالتوجهات السياسية والمزاج العام؛ بما يسمح بتوجيه الاتهام بشكل انتقائي نحو الفلسطينيين".
واستطردت الدكتورة أريج جبر قائلة: "ومن حيث التطبيق، فإن السياق السياسي يشير بوضوح إلى أن القانون موجّه أساسًا نحو الفلسطينيين خاصة في الضفة الغربية، وهو ما يثير إشكالية قانونية جوهرية تتعلق بالتمييز في التطبيق ويكرس نظامًا قانونيًا مزدوجًا، كما أن التوسع في السلطة التقديرية للقضاة يعزز احتمالات تطبيق غير منضبط قانونيًا، ويجعل من القضاء أداة ضمن منظومة السيطرة، لا مجرد جهة محايدة لتطبيق القانون".
ولفتت إلى أنه في ضوء القانون الدولي لحقوق الإنسان، يثير هذا التشريع تعارضًا مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي انضمت إليه إسرائيل، حيث تقيد المادة السادسة استخدام الإعدام بأشد الجرائم خطورة، بينما يفتح القانون المجال لتطبيقه في سياق نزاع سياسي، كما تنص المادة الرابعة عشرة على ضمان الحق في محاكمة عادلة، وهو ما يطرح إشكاليات جدية في ظل خضوع الفلسطينيين لمحاكم عسكرية تفتقر إلى الضمانات الكاملة، بالإضافة إلى تعارضه مع مبدأ عدم التمييز الذي يشكل ركيزة أساسية في النظام القانوني الدولي.
القانون يتعارض تماما مع أحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949
وذكرت أن القانون يتعارض تماما مع أحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تُعد إسرائيل طرفًا فيها، والتي تنظم حالة الاحتلال وتفرض قيودًا صارمة على السلطة القائمة بالاحتلال في فرض العقوبات، إذ تحظر الاتفاقية العقوبات الجماعية، وتلزم بحماية السكان المدنيين، وتمنع فرض عقوبات جسيمة دون ضرورة عسكرية، وعليه فإن توسيع نطاق الإعدام ضد سكان واقعين تحت الاحتلال، دون مبرر عسكري واضح، يشكل انتهاكًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني، خاصة مبدأ حماية المدنيين.
وأوضحت أنه من زاوية مبدأ عدم التمييز، فإن القانون يتعارض مع اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، التي تُلزم الدول الأطراف بعدم التمييز في تطبيق القانون، إلا أن التطبيق الفعلي لهذا التشريع يتركز على الفلسطينيين، ضمن نظام قانوني مزدوج، ما يثير شبهة تمييز ممنهج في العدالة الجنائية، ويقترب من تكريس بنية قانونية ذات طابع فصلي.
وقالت جبر "إنه وعلى الرغم من أن القانون الدولي لا يحظر عقوبة الإعدام بشكل مطلق، إلا أن هناك توجهًا دوليًا متزايدًا نحو تقليصها، تجسد في البروتوكول الاختياري الثاني للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يهدف إلى إلغائها، ورغم أن إسرائيل ليست طرفًا في هذا البروتوكول، فإن الاتجاه العام في القانون الدولي يسير نحو الحد من استخدام هذه العقوبة، خاصة في السياقات غير التقليدية كحالة الاحتلال، وهو ما يجعل هذا التشريع في موقع متعارض مع التطور القانوني الدولي.
وتابعت "وفي البعد السياسي، يأتي هذا القانون في ظل صعود تيارات يمينية متطرفة، وتصاعد الخطاب الأمني، واستخدام التشريع كأداة لإدارة الصراع، كما لم يعد الإعدام أداة عقابية فردية، بل أصبح وسيلة ردع جماعي تستهدف المجتمع الفلسطيني؛ بما يعزز مناخ الخوف ويقيد الفعل السياسي والاجتماعي، فضلا عن أن هذا القانون يتكامل مع سياسات أخرى مثل الإبعاد القسري وسحب الإقامة والنفي، لتشكيل منظومة عقابية متكاملة ذات طابع تمييزي".
وأبرزت أن قانون إعدام الأسرى لا يمثل مجرد تعديل تشريعي داخلي، بل يعكس تحولًا أعمق نحو تسييس العقوبة الجنائية وتوظيفها كأداة هيمنة ضمن سياق احتلالي يتسم بازدواجية المعايير، ورغم أن الإعدام بحد ذاته ليس محظورًا مطلقًا، إلا أن طريقة تطبيقه وسياقه وطابعه التمييزي وغياب ضمانات المحاكمة العادلة، تجعل منه موضع تعارض مع عدد من القواعد الأساسية في القانون الدولي خاصة تلك المتعلقة بحماية السكان المدنيين وضمان المساواة والعدالة.