بين سحر الحقيقة وغموض الخيال وبقوة الحفر في ثنايا الروح.. تنشأ تجربة الفنان السكندري الشاب زياد فاوي في معرضه الفردي الأول "رقصة مقدسة"
)Sacred Dance)
(ArtTalks) باستضافة جاليري "آرت توكس"
بالزمالك كحالة بصرية فريدة تسعى لتفكيك وإعادة تركيب المشاهد العاطفية التي يمر بها الإنسان في رحلته الوجودية.. حيث تتقاطع الأشكال والذاكرة والمشاعر والعاطفة لينبثق عرض كوريجرافي "تصميم الرقصات" متدفق يسكن المساحة الدقيقة بين ما يُرى وما يُتذكر.. وما يُحس بعمق..
تقول شيرين شفيق مديرة الجاليري: من عتبة جلال الدين الرومي التي تفتتح المعرض بمقولته الشهيرة "أنت ترقص سرًا في قلبي حيث لا يراك أحد لكنني أراك أحيانًا وتلك الرؤية تصبح فني"..
هنا ندخل إلى عوالم فاوي التي تتجلى كسلسلة من الكوريجرافيا البصرية حيث تتحول كل لوحة إلى تصميم دقيق لتسلسلات حركية.. لا تجسد الأجساد المادية.. فحسب، بل ترسم صورها الذهنية التي يمتزج فيها الحركة والشكل في وحدة متماسكة مذهلة.. ويبرز الفنان هنا كمصمم رقصات بصري.. لا يكتفي برسم اللوحة بل يمارس فن "تكوين الرقص" فوق سطح اللوحة عبر استخدام تركيب إيقاعي يجمع بين الموضوع والتنوع والتكرار المحسوب..
وكأن كل ضربة فرشاة هي تدوين لحركة روحية خفية.. قد تستخدم الارتجال لتوليد أفكار حركية مبتكرة تتجاوز حدود المألوف.. لتستقر في ذهن المشاهد كأداء فني يشبه رقصات الحفلة في أرقى صورها
وتتجلى أهمية الفن التشكيلي هنا كونه اللغة الابدية التي توثق هوية الشعوب.. وتعبر عما تعجز عنه الكلمات.. فالفن هو المرآة التي تعكس رقي المجتمعات وتطور وعيها الجمالي..، وهو الجسر الذي يربط بين المادي والروحاني..
فمنذ فجر التاريخ والإنسان يستعين بالرسم لترويض مخاوفه وتخليد انتصاراته والبحث عن معنى لوجوده.. ولعل جمال الفن التشكيلي يكمن في كونه القوة الناعمة التي تعيد تشكيل الوجدان الجمعي.. وتمنح الشعوب صوتاً بصرياً يتجاوز الحواجز اللغوية..
حيث تتحول الألوان في "رقصة مقدسة" من مجرد آلوان إلى طاقات شعورية.. تسهم في صياغة هوية بصرية قوية ومعاصرة.. وتظهر الأشكال في لوحات فاوي وتذوب معلقة.. في حالة من الحركة الدائمة حيث لا هي محددة بالكامل.. ولا مجردة كليًا بل تظهر كحاملات لتجارب معيشة وآثار لذاكرة شكلتها الحركة والزمن والإحساس معا..
وتبرز التقنيات التي استخدمها الفنان المولود في الإسكندرية عام 1999 والخريج من كلية الفنون الجميلة عام 2022 كصوت فني متفرد.. يرفض الثبات عبر أسطح متراكبة.. وايشارات تشكيلية.. تدعو المشاهد لعملية إدراك ديناميكية يتغير فيها المعنى ويتطور مع كل لقاء بصري.. حيث الذاكرة ليست أرشيفًا ساكنًا..، بل كيان حي، ويعاد تشكيله باستمرار عبر العاطفة والتأمل..
وتتجلى في أعماله التي تطالعنا عبر جدران جاليري ارت توكس.. قراءة بصرية مدهشة تعتمد على ثنائية لونية.. تجمع بين زرقة السماء الليلية والدرجات الباردة والبنفسجية.. التي توحي بالسمو والارتقاء الكوني.. وبين ألوان الأرض من أصفر ودرجات لون الطين والدرجات الخضراء العميقة.. التي تعيدنا إلى الجذور وطمي النيل.. ونقوش المعابد القديمة.. بلمسة تجريدية معاصرة تستلهم من الحكايات التراثية والشعبية.. لتعيد قراءة الحكايات التي تشكل لغة بصرية وعاطفية.. تتجاوز الأطر التقليدية نحو فضاء أكثر سيولة وتأملًا..
ويظهر الملمس الكثيف في لوحاته كأنه فعل مركب على سطح اللوحة مستخدمًا تقنيات الدوائر التي تخلق شعورًا بالذبذبات والحركة الدائمة.. لتعبر عن وحدة الوجود والانسجام الداخلي..
فالفنان هنا لا يضع اللون بشكل مسطح بل ينفذ إلى عمق اللون ليخلق تضاريس حسية تجعل من اللوحة كائناً حياً يتنفس مع الضوء والظل إن تصميم الرقصات (كوريوجرافيا) في أعمال فاوي هو فن ممارسة تصميم تسلسلات من حركات الأجساد المادية أو صورها الذهنية التي يتم فيها تحديد الحركة والشكل معاً
فالتعبير الإيقاعي في لوحاته ليس مجرد صدفة.. وهذا ما أكدته شرين شفيق.. بل هو نتاج عملية معرفية واعية تدمج بين الارتجال المدروس وبين تكرار التكوينات العضوية.. التي تمنح العمل صفة الخلود.. ويستمر هذا التدفق البصري في محاورة الوجدان ليؤكد أن جمال الفن التشكيلي يكمن في قدرته على منحنا زوايا رؤية جديدة للواقع ولأنفسنا..
فهو ليس مجرد ترف بصري بل هو ضرورة وجودية ترتقي بالذوق العامة، وتجعل من النظر.. فعل عودة إلى الداخل.. وارتقاءً نحو الوحدة والانسجام.. وهو ما نجح فيه فاوي بجدارة في معرضه الأول بـ "آرت توكس" الذي يثبت أن الفن المصري لا يزال ولادًا بالطاقات المبدعة القادرة على محاورة العالم بلغة الجمال الخالدة.. التي تجعل من الفن دائماً هو الرقصة المقدسة التي تجمعنا على مائدة الإنسانية بوعي جديد ومستقبل واعد.. لهذا الصوت الفني السكندري المتفرد الذي يسكن العاطفة قبل أن يرسمها ويتتبع المساحات الدقيقة بين ما يُرى وما يُحس بعمق في كوريجرافيا لونية لا تنتهي
