يعود السبب في تقسيم الساعة إلى 60 دقيقة، والدقيقة إلى 60 ثانية، إلى جذور عميقة في تاريخ الحضارات القديمة، وبالتحديد في بلاد ما بين النهرين حيث نشأت الحضارة البابلية.
اعتمد البابليون نظامًا عدديًا يُعرف بـالنظام الستيني، وهو نظام يقوم على الرقم 60 بدلًا من 10 كما هو الحال في النظام العشري المستخدم حاليًا.
لماذا الساعة 60 دقيقة؟
اختيار الرقم 60 لم يكن اعتباطيًا، بل لأنه رقم يتمتع بمرونة كبيرة في القسمة، إذ يمكن تقسيمه بسهولة إلى أنصاف وأثلاث وأرباع وأخماس، ما جعله مثاليًا للعمليات الحسابية المعقدة، خاصة في مجالات مثل الفلك والهندسة.
وقد مكّن هذا النظام البابليين من إجراء حسابات دقيقة نسبيًا لحركة الأجرام السماوية، وهو ما كان ضروريًا لوضع تقاويم وتنظيم الزراعة والشعائر الدينية.
لاحقًا، انتقلت هذه المعارف إلى اليونان القديمة، حيث استفاد علماء مثل بطليموس من هذا النظام في تطوير الدراسات الفلكية.
وقد استخدم بطليموس تقسيمات قائمة على الستين في حساب الزوايا، وهو ما ساهم في ترسيخ هذا الأسلوب في العلم. ومن هنا جاء تقسيم الدائرة إلى 360 درجة، وهو رقم يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمضاعفات 60.
ومع انتقال الإرث العلمي إلى الحضارة الإسلامية، شهد علم الفلك تطورًا كبيرًا، حيث استخدم العلماء المسلمون النظام الستيني في تحسين الحسابات الفلكية وصناعة الأدوات مثل الأسطرلاب.
تطوير الساعات الميكانيكية
انتقلت هذه المعارف إلى أوروبا في العصور الوسطى، حيث تم تطوير الساعات الميكانيكية، التي تبنت بدورها نفس التقسيم الزمني القائم على 60.
في البداية، لم تكن الساعات تقيس الدقائق والثواني بدقة كما نفعل اليوم، لكن مع التقدم التكنولوجي، خاصة في القرنين السادس عشر والسابع عشر، أصبح من الممكن قياس الوقت بدقة أكبر، وتم تثبيت تقسيم الساعة إلى 60 دقيقة، وكل دقيقة إلى 60 ثانية بشكل نهائي.
ورغم أن العالم الحديث يعتمد بشكل شبه كامل على النظام العشري في الحسابات، فإن نظام قياس الوقت بقي كما هو، لعدة أسباب، منها صعوبة تغييره بعد ترسخه عالميًا، إضافة إلى كفاءته العملية في التقسيم. كما أن هذا النظام لا يزال يُستخدم في مجالات أخرى مثل قياس الزوايا والملاحة.
وهكذا، فإن الطريقة التي ننظم بها وقتنا اليوم ليست مجرد اتفاق حديث، بل هي نتيجة تراكم معرفي طويل بدأ منذ آلاف السنين، واستمر عبر حضارات متعددة، حتى أصبح جزءًا أساسيًا من حياتنا اليومية.





