بحضور كامل فريق العمل، قدّم المخرج التركي نوري جيهان أوزدوغان فيلمه الروائي الطويل الأول Dead Dogs Don’t Bite ضمن عروض مهرجان إسطنبول السينمائي في دورته الـ45، في العرض التركي الأول بعد انطلاقته العالمية من مهرجان روتردام مطلع العام الحالي.
ينطلق الفيلم من عالم المهمشين، وتحديدًا من قلب تجارة النفايات غير القانونية، حيث يعمل إسمت وصديق طفولته دوغو في أسفل هرم منظومة قذرة تقوم على دفن المخلفات غير القابلة للتدوير في الطبيعة. غير أن هذا الفضاء الواقعي لا يظل مجرد خلفية درامية، بل يتحول تدريجيًا إلى استعارة كثيفة لاقتصاد الفساد، وتآكل الضمير، وانهيار الصداقة تحت وطأة المال والعنف.
ما يلفت النظر في معالجة الفيلم هو قدرته على إعادة توظيف مفردات أفلام العصابات والجريمة داخل سياق اجتماعي وبيئي شديد المحلية. فالعنف هنا لا يأتي بوصفه استعراضًا شكليًا، بل كامتداد مباشر لبنية تعيد تعريف القمامة، كما تعيد تعريف الإنسان نفسه باعتباره موردًا قابلًا للاستهلاك والاستبدال. ومن هنا يكتسب الفيلم بعده النقدي، متجاوزًا الحكاية الفردية إلى مساءلة منظومة قيم كاملة.
بصريًا، يعتمد الفيلم نمطا قاتما وملمسا خشنًا للصورة، يعكسان طبيعة العالم الذي تدور فيه الأحداث، يتخلله بعض المشاهد التي يمكن وصفها بالقاسية، بعيدا عن صورة تركيا البراقة التي كرستها المسلسلات التلفزيونية "السياحية"التي تصدر إلى العالم العربي، والتي اعتادت تقديم فضاءات وشخصيات أكثر جمالًا.
أما على مستوى الأداء، فيمنح كمال بوراك ألبر شخصية إسمت هشاشتها الأخلاقية والإنسانية، فيما يضفي بوراك جان دوغان على شخصية دوغو ثقلًا دراميًا يوازن بين الصداقة والتهديد الكامن. وتبقى هذه الثنائية من أبرز عناصر قوة الفيلم، إذ يقوم البناء الدرامي في جوهره على تفكيك العلاقة بين الصديقين بوصفها المفتاح الرئيسي لتطور الأحداث، في ربط ذكي بين التلوث البيئي والتلوث الأخلاقي.
“رغم أنه عمل أول، وجدنا فيه قدرًا كبيرًا من الثراء أهّله للمشاركة في المسابقة الدولية ممثلًا لتركيا إلى جانب عدد من الأفلام المحلية الأخرى.”.. بهذه الكلمات عبر مدير المهرجان التركي Kerem Ayan، في حديثه إلى صدى البلد، عن حماسه لاختيار الفيلم ضمن برنامج مهرجان إسطنبول السينمائي.
فيلم Dead Dogs Don’t Bite يرسخ حضور إسم جديد في السينما التركية الشابة، صوت يختار المكاشفة أداة للاشتباك مع الأزمات الاجتماعية والأخلاقية، بدلا من دفنها كما تدفن النفايات في باطن الأرض.