في قلب وسط البلد، وبين المباني القديمة التي تحمل ذاكرة المدينة الحديثة، جاءت مبادرة «شارع الفن» في مثلث البورصة وشارع الشريفين، لتعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل يمكن للفن أن يغيّر شكل الحياة اليومية؟، المبادرة التي دشنها الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، خلال جولته الأخيرة في القاهرة الخديوية والتاريخية، لا تبدو مجرد فعالية فنية عابرة، بقدر ما تمثل محاولة لإعادة الفن إلى الشارع، وإعادة الشارع نفسه إلى الناس، بعد سنوات طويلة تحولت فيها الفنون إلى أنشطة نخبوية مغلقة داخل المسارح والقاعات الثقافية.
بحسب ما أعلنته محافظة القاهرة وأكاديمية الفنون، تستهدف المبادرة تحويل شوارع العاصمة إلى مساحات مفتوحة للإبداع، عبر عروض الموسيقى والرسم والغناء والرقص وفنون الماريونت والكاريكاتير، ضمن مشروع أوسع يحمل اسم «جسور الإبداع» لإتاحة الفنون واحتضان المواهب الشابة، وتكمن القيمة الحقيقية لهذه المبادرة ليست في العروض الفنية، بل في الرسالة الثقافية التي تحملها، فحين يصبح الفن جزءًا من المشهد اليومي للمواطن، يتحول من ترف ثقافي إلى أداة للوعي والمعرفة، لأن الشارع هنا لا يؤدي وظيفة المرور فقط، بل يصبح مساحة للحوار البصري والسمعي، ومكانًا مفتوحًا للتفاعل مع الجمال.
وارتبطت فكرة «التنوير» في مصر بالمؤسسات الثقافية التقليدية؛ قصور الثقافة، المسارح، الندوات المغلقة، إلا أن «شارع الفن» يطرح تصورًا مختلفًا، يقوم على كسر الحواجز بين الجمهور والفن، بحيث يلتقي المواطن العادي بالموسيقى والرسم والعروض الحية أثناء سيره اليومي، دون الحاجة إلى تذكرة أو دعوة خاصة، وهذا النوع من المبادرات يملك قدرة خاصة على رفع الذوق العام، خصوصًا في المدن الكبرى التي تبتلعها السرعة والضوضاء والإعلانات التجارية، فالفن في الفضاء العام لا يجمل المكان فقط، بل يخلق علاقة جديدة بين الإنسان ومدينته، حين يشاهد طفل عرضًا موسيقيًا في الشارع، أو يقف شاب أمام رسام يرسم مباشرة أمام الجمهور، تنشأ لحظة إنسانية قد تكون أكثر تأثيرًا من عشرات المحاضرات النظرية.
كما تمثل المبادرة محاولة لاستعادة صورة القاهرة القديمة، حين كانت الشوارع والحدائق مساحات للفن والغناء والعروض الشعبية، وقد أشار المسؤولون عن المشروع إلى أن الهدف يرتبط بإحياء الهوية الثقافية المصرية، واستعادة «جمال الماضي» الذي كانت فيه الفنون جزءًا أصيلًا من المجال العام.
الأهمية الأخرى لـ«شارع الفن» تتعلق بالشباب والمواهب الجديدة، فالمبادرة لا تقدم الفن للجمهور فقط، بل تمنح الفنانين الشباب مساحة للظهور والتجريب والاحتكاك المباشر بالناس، وفي مدينة مزدحمة مثل القاهرة، يصبح الشارع نفسه مسرحًا مفتوحًا لاكتشاف طاقات جديدة قد لا تجد طريقها إلى المؤسسات الفنية التقليدية.
كما أن اختيار القاهرة الخديوية تحديدًا يحمل دلالة رمزية مهمة؛ فالمنطقة التي كانت يومًا مركزًا للحياة الثقافية والفنية تعود اليوم لتلعب الدور نفسه، لكن بصيغة أكثر انفتاحًا وحداثة، وكأن الدولة تحاول أن تقول إن تطوير العمران لا يكتمل دون إحياء الروح الثقافية للمكان.
وربما يكون الرهان الحقيقي للمبادرة هو الاستمرارية، فالمشهد الثقافي المصري لا يحتاج فقط إلى مهرجانات موسمية، بل إلى حضور دائم للفن داخل الحياة اليومية، وتبدو مبادرة «شارع الفن» أكثر من مجرد فعالية ثقافية؛ إنها محاولة لاستعادة فكرة المدينة التي تتنفس فنًا، وتؤمن بأن التنوير يمكن أن يبدأ من رصيف، أو لحن عابر، أو لوحة ترسم في شارع مفتوح على الناس جميعًا.



