بعد سنوات طويلة من الإحباط والانهيارات المتكررة في الأمتار الأخيرة ومن قلب الانكسارات إلى منصة المجد.. كيف استعاد آرسنال عرش إنجلترا بعد 22 عاماً وفاز بالدوري الانجليزي؟
نجح آرسنال أخيراً في استعادة أمجاد الماضي بعدما تُوّج بطلاً للدوري الإنجليزي الممتاز لموسم 2025-2026 منهياً انتظاراً دام 22 عاماً منذ آخر تتويج تاريخي للفريق اللندني بلقب البريميرليغ.
ولم يكن هذا التتويج مجرد لقب جديد يضاف إلى خزائن النادي بل بدا وكأنه لحظة تحرر كاملة لجيل كامل عاش سنوات من المطاردة خلف أحلام اقتربت كثيراً ثم انهارت في اللحظة الأخيرة خصوصاً خلال المواسم الثلاثة الماضية حين اكتفى الفريق بالوصافة خلف مانشستر سيتي بقيادة المدرب الأسطوري بيب جوارديولا.
لكن هذه المرة تغير كل شيء داخل ملعب الإمارات.
أرتيتا.. مشروع الصبر الذي تحول إلى مجد
حين تولى ميكيل أرتيتا قيادة آرسنال كان النادي يعيش واحدة من أكثر فتراته اضطراباً وسط شكوك جماهيرية واسعة حول قدرة المدرب الإسباني الشاب على إعادة الفريق إلى القمة.
ورغم السخرية التي طاردته في بدايات مشروعه تمسك أرتيتا بفلسفته القائمة على البناء التدريجي وتطوير شخصية الفريق الذهنية قبل الفنية حتى تحولت المجموعة الحالية إلى ماكينة تنافسية قادرة على الصمود حتى النهاية.
وخلال السنوات الماضية اقترب آرسنال كثيراً من التتويج لكنه كان يسقط أمام آلة مانشستر سيتي الجبارة في اللحظات الحاسمة قبل أن ينجح هذا الموسم في توجيه الضربة القاضية لمنافسه التاريخي.
دافيد رايا.. الحارس الذي حمى الحلم
إذا كان آرسنال قد استعاد اللقب فإن الحارس الإسباني دافيد رايا يستحق مكانة خاصة في قصة التتويج.
الحارس البالغ من العمر 30 عاماً قدم موسماً استثنائياً تُوّج خلاله بجائزة القفاز الذهبي للموسم الثالث على التوالي بعدما تحول إلى أحد أهم أسباب تفوق الفريق دفاعياً.
ولم تكن أرقام رايا وحدها هي ما لفت الأنظار بل توقيت تدخلاته الحاسمة خصوصاً في المباريات الكبرى واللحظات المعقدة التي كان يمكن أن تغيّر شكل الموسم بالكامل.
أمام مانشستر يونايتد أنقذ الحارس الإسباني عدة فرص محققة حافظت على انتصار ثمين بينما لعب دور البطولة أمام وست هام يونايتد سواء بتصدياته الحاسمة أو عبر لقطة مثيرة ألغى خلالها حكم الفيديو هدفاً قاتلاً كاد يعقد حسابات اللقب.
ولم يكن غريباً أن يطالب أسطورة النادي باتريك فييرا بمنحه جائزة لاعب الموسم بعدما وصف مستواه بأنه استثنائي من البداية وحتى النهاية.
الكرات الثابتة.. السلاح الذي أرعب إنجلترا
واحدة من أبرز علامات آرسنال هذا الموسم كانت تفوقه الكاسح في الكرات الثابتة والتي تحولت إلى سلاح تكتيكي فتاك منح الفريق أفضلية واضحة على معظم منافسيه.
أكثر من 40% من أهداف الفريق في الدوري جاءت عبر الكرات الثابتة بينما سجل الفريق 18 هدفاً من ركلات ركنية وهو رقم قياسي غير مسبوق في موسم واحد بتاريخ البريميرليج.
ورغم سخرية جماهير المنافسين التي أطلقت على الفريق لقب " سيت بيس إف سي " فإن العمل التكتيكي الذي قاده الفرنسي نيكولا جوفر منح آرسنال واحدة من أخطر المنظومات الهجومية في أوروبا.
ومع الجودة الهائلة في تنفيذ الكرات عبر بوكايو ساكا وديكلان رايس إضافة إلى القوة الهوائية التي يمتلكها الفريق تحولت الركلات الركنية إلى نصف فرصة تهديف تقريباً في كل مباراة.
ديكلان رايس.. القلب الحقيقي للبطل
قد لا تعكس أرقام ديكلان رايس حجم تأثيره الحقيقي لكن لاعب الوسط الإنجليزي كان بلا شك القلب النابض لفريق أرتيتا طوال الموسم.
ومنذ انتقاله التاريخي إلى آرسنال مقابل أكثر من 100 مليون جنيه إسترليني تعرض رايس لضغوط هائلة لكنه نجح في إثبات قيمته تدريجياً حتى أصبح القائد غير المعلن داخل الملعب.
شارك رايس في أكثر من 4000 دقيقة هذا الموسم وقدم مزيجاً مثالياً من القوة البدنية والالتزام التكتيكي والقدرة على افتكاك الكرة ليصبح حجر الأساس في امتلاك آرسنال أقوى دفاع بالبطولة.
ورغم مساهماته الهجومية المهمة فإن تأثيره الحقيقي ظهر في التفاصيل الصغيرة: الضغط التغطية استخلاص الكرة وإغلاق المساحات وهي الجوانب التي صنعت شخصية الفريق البطل.
عمق التشكيلة.. الدرس الذي تعلمه آرسنال
في الموسم الماضي انهار حلم آرسنال بسبب الإصابات وضيق قائمة البدلاء لكن الإدارة تعلمت الدرس جيداً هذه المرة.
وخلال الصيف دعم النادي صفوفه بعدد من الصفقات المؤثرة ليصبح الفريق قادراً على تعويض غياب نجومه دون انهيار المنظومة.
ورغم تعرض لاعبين مثل بوكايو ساكا ومارتن أوديغارد وكاي هافيرتس وجابريال ماجالهاييش لإصابات متفاوتة فإن البدلاء لعبوا دوراً محورياً في استمرار الفريق على القمة.
وقدم القادمون الجدد مثل إيبيريتشي إيزي ومارتن سوبيمندي وفيكتور يوكيريس ونوني مادويكي إضافات نوعية رفعت من جودة الفريق ومنحته المرونة اللازمة للاستمرار في المنافسة حتى النهاية.
سقوط سيتي وليفربول.. فرصة لم تُهدر
ورغم قوة آرسنال فإن الموسم الحالي شهد أيضاً تراجعاً واضحاً لدى المنافسين التقليديين.
فريق مانشستر سيتي افتقد هذا الموسم للثبات المعتاد وظهر أقل شراسة من نسخ جوارديولا السابقة بينما انهار دفاع ليفربول عن لقبه بشكل مفاجئ.
أما مانشستر يونايتد فرغم إنهائه الموسم في المركز الثالث فإنه عاش موسماً مضطرباً انتهى بإقالة مدربه روبن أموريم في منتصف الطريق.
وفي مواسم سابقة كانت 82 نقطة قد لا تكفي حتى للمنافسة لكن هذا الموسم بدت البطولة أقل قسوة وهي الفرصة التي استغلها آرسنال أخيراً بأفضل شكل ممكن.
نهاية اللعنة.. وبداية حقبة جديدة
ما حققه آرسنال هذا الموسم لا يمكن اختصاره في مجرد لقب دوري بل يمثل إعلاناً واضحاً عن عودة أحد أعظم أندية إنجلترا إلى موقعه الطبيعي بين كبار القارة الأوروبية.
فالفريق الذي عاش سنوات من المعاناة والشكوك نجح أخيراً في تجاوز عقدة اللحظة الأخيرة وكسر هيمنة مانشستر سيتي وإعادة جماهيره إلى منصة الاحتفال التي غابت عنها لأكثر من عقدين.





