في خطوة حاسمة تستهدف ضبط المشهد الإعلامي الرقمي ومواجهة المحتوى المخالف للضوابط المهنية والأخلاقية، أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بدء إجراءات حجب جميع الحسابات الإلكترونية التابعة لصانع المحتوى المعروف باسم كروان مشاكل على مختلف منصات التواصل الاجتماعي، مع إحالة الملف بالكامل إلى النيابة العامة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.

حجب محتوى كروان مشاكل
أوضح المجلس، برئاسة المهندس خالد عبدالعزيز، أنه قام بمخاطبة الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بشكل رسمي، بهدف تنفيذ قرار الحجب الفوري لتلك الحسابات، وذلك في إطار مواجهة المحتوى الذي اعتبره المجلس مخالفًا للمعايير المنظمة للنشر الإلكتروني، ومثيرًا لجدل واسع بين المستخدمين خلال الفترة الأخيرة.
وأكد أن هذه الخطوة تأتي ضمن دوره الرقابي لحماية المجتمع من المحتوى الذي يتجاوز القيم العامة.
وأضاف المجلس أن القرار لم يقتصر على الجانب الإداري، بل امتد إلى المسار القانوني، حيث تم تحويل الملف إلى النيابة العامة للتحقيق في الوقائع المنسوبة لصاحب الحسابات، وما تم رصده من مخالفات تتعلق بنشر محتوى يسيء للآداب العامة ويخالف القوانين المنظمة لجرائم تقنية المعلومات.
وأشار البيان إلى أن أسباب القرار استندت إلى ما تم رصده من مخالفات شملت خدش الحياء العام عبر محتوى يتضمن ألفاظًا وإيحاءات وتصرفات غير لائقة، إضافة إلى انتهاك الخصوصية من خلال نشر محتوى يتجاوز الحدود القانونية، فضلًا عن الإضرار بالقيم الأسرية عبر تقديم نمط من السلوكيات التي اعتبرها المجلس دخيلة على المجتمع.
وأكد المجلس أن هذه الإجراءات جاءت بناءً على تقارير الرصد والمتابعة التي أعدتها الإدارات المختصة، إلى جانب توصيات لجنة الشكاوى التي دعت إلى التدخل الفوري لوقف هذه التجاوزات. كما شدد على أن حرية التعبير مكفولة، لكنها لا تشمل الإساءة أو المساس بالقيم المجتمعية أو التحريض على سلوكيات مخالفة.
وفي السياق ذاته، لاقى القرار تفاعلًا واسعًا بين خبراء الإعلام والقانون، حيث اعتبره البعض خطوة ضرورية للحد من فوضى المحتوى الرقمي، مؤكدين أن إحالة الملف إلى النيابة يعكس جدية في تطبيق القانون، خاصة قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات.
واختتم المجلس بيانه بالتأكيد على استمرار المتابعة والرصد لكافة المحتويات المنشورة عبر المنصات الرقمية، مشددًا على أنه لن يتهاون مع أي تجاوزات تهدد القيم العامة أو تسهم في نشر محتوى مخالف، داعيًا صناع المحتوى إلى الالتزام بالمعايير المهنية والأخلاقية المنظمة للعمل الإعلامي الرقمي.
تحذيرات متكررة
في سياق متصل، قالت الدكتورة هالة منصور، أستاذة علم الاجتماع بجامعة بنها، إن منصات مثل “تيك توك” وما يرتبط بها من ظاهرة “صناع المحتوى” أو “البلوجرز” كانت محل تحذيرات متكررة خلال السنوات الماضية، لافتة إلى أن عددًا من الدول اتجه بالفعل إلى حظرها أو تقييد استخدامها.
وأضافت في تصريحات لـ “صدى البلد”، أن استمرار انتشار هذه التطبيقات في المجتمع المصري يستدعي -من وجهة نظرها- إعادة تقييم شاملة، معتبرة أن أضرارها الاجتماعية والثقافية تفوق ما تقدمه من فوائد، مشيرة إلى أن من يرغب من الفئات المثقفة في التواصل مع الجمهور يمكنه الاعتماد على منصات بديلة أكثر انضباطًا.
وأوضحت أن بعض هذه المنصات ساهمت في ترسيخ أنماط سلوكية سلبية، على حد تعبيرها، سواء فيما يتعلق بتشويه المجتمع.
واعتبرت أستاذة علم الاجتماع أن الإجراءات القانونية ضد بعض صناع المحتوى تمثل خطوة إيجابية، لكنها شددت في الوقت ذاته على أن الحل -من وجهة نظرها- قد يتطلب إجراءات أوسع من بينها إعادة النظر في استمرار هذه التطبيقات بشكلها الحالي، حفاظًا على القيم المجتمعية والاستقرار الأخلاقي.
كما أشارت إلى أن بعض المتابعين قد يتأثرون بالمحتوى الساخر أو المبالغ فيه، ويقومون بمحاكاته دون وعي، ما يؤدي إلى ترسيخ سلوكيات غير مناسبة داخل المجتمع، لافتة إلى أن استخدام الرموز الدينية في جذب المشاهدات يمثل سلوكًا غير مقبول أخلاقيًا، لأنه يخرجها عن سياقها الصحيح ويحوّلها إلى وسيلة للترويج الرقمي.
محتوى خادش للحياء
ومن جانبه، أوضح المحامي صابر محمد أن القانون المصري يتضمن نصوصًا واضحة تجرّم نشر المقاطع المصورة أو المحتويات التي تُعد خادشة للحياء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرًا إلى أن العقوبات تختلف وفق طبيعة الفعل ومدى تأثيره على الآداب العامة والمجتمع.
وأضاف في تصريحات لـ “صدى البلد”، أن بعض الوقائع قد تندرج تحت جرائم التحريض على الفسق أو نشر محتوى مخل بالحياء، وهي الجرائم التي نظمها قانون العقوبات وقانون مكافحة الدعارة، موضحًا أن المادة 178 من قانون العقوبات تنص على معاقبة كل من ينشر مواد أو مقاطع مصورة تخدش الحياء العام بعقوبات قد تصل إلى الحبس والغرامة المالية.
وأضاف أن القانون تناول أيضًا ما يُعرف بجريمة “الفعل الفاضح العلني”، والتي تشمل الأفعال أو الإشارات أو الأقوال التي تتم في الأماكن العامة أو عبر وسائل الاتصال المختلفة، إذا كان من شأنها خدش حياء الآخرين أو التحريض على سلوكيات منافية للآداب.
وأكد المحامي صابر أن المادة 269 مكررًا تنص على عقوبات تصل إلى الحبس في حال التحريض العلني على الفسق، مع تشديد العقوبة في حالة تكرار الجريمة، إضافة إلى وضع المحكوم عليه تحت مراقبة الشرطة لمدة مساوية للعقوبة الصادرة بحقه.



