تواصل الهيئة العامة لقصور الثقافة، برئاسة الفنان هشام عطوة، تقديم فعالياتها المسرحية والأدبية والفنية ضمن برامج وزارة الثقافة، من خلال عروض مسرحية وملتقيات فكرية تسعى إلى طرح أسئلة الإنسان المعاصر، ومناقشة التحولات الاجتماعية والنفسية التي فرضتها التكنولوجيا والضغوط الاقتصادية والثقافية، إلى جانب دعم الحركة التشكيلية والأدبية بالمحافظات.
وشهد مسرح السامر بالعجوزة عرض المسرحية «سلك شائك» لفرقة قصر ثقافة دمنهور، ضمن فعاليات المهرجان الختامي لنوادي المسرح في دورته الثالثة والثلاثين، حيث ناقش العرض فكرة العزلة الإنسانية وسيطرة الطبقات العليا على الطبقات الأدنى، في معالجة درامية اعتمدت على الرموز البصرية والدلالات النفسية.
العرض من تأليف سامح عثمان وإخراج جابر نصار، وقدم رؤية تقوم على وجود «سلك شائك» غير مرئي يفصل بين البشر والأفكار والطبقات الاجتماعية، قبل أن يتحطم في النهاية باعتباره قيدا بلا جدوى. وأوضح المخرج أن العمل يناقش حالة التبعية التي تفرضها السلطة الاجتماعية على الإنسان، بما يفقده حريته وقدرته على الفهم والتعبير.
واعتمد العرض على تقسيم المسرح إلى مستويين علوي وسفلي، في إشارة إلى التفاوت الطبقي وهيمنة السلطة، فيما وظفت الإضاءة والديكور والموسيقى الحية لتكثيف الحالة النفسية والدرامية. وأشادت الندوة النقدية المصاحبة بالعرض، خاصة بما حمله من أبعاد إنسانية وسياسية، إلى جانب أداء الممثلين وتوظيف الموسيقى الحية والآلات الشرقية داخل البناء المسرحي.
وفي السياق نفسه، استقبل مسرح السامر العرض المسرحي «السؤال» لفرقة قصر ثقافة دمنهور، إعداد عبد الرحمن الزغبي وإخراج إبراهيم شويل، والذي استلهم فكرته من الفيلم الأمريكي «Exam»، لكن عبر معالجة مصرية ترتبط بالواقع الاجتماعي والنفسي المحلي.
ودارت أحداث العرض داخل غرفة اختبار تضم مجموعة من المتقدمين لوظيفة غامضة، حيث تتكشف تدريجيا حقائق الشخصيات تحت ضغط التوتر والخوف والرغبة في النجاة، لتسقط الأقنعة الاجتماعية وتظهر الصراعات الداخلية لكل شخصية.
وأوضح المخرج إبراهيم شويل أن الرؤية الإخراجية اعتمدت على خلق توتر نفسي دائم بين الممثلين والجمهور، بحيث يصبح المتفرج جزءا من اللعبة المسرحية، بينما أشار عبد الرحمن الزغبي إلى أن العرض يطرح فكرة حرية الاختيار، وقدرة الإنسان على مراجعة قراراته مهما تعرض للضغوط أو الأخطاء.
كما وظفت الإضاءة الباردة والديكور المستوحى من العالم الرقمي والتكنولوجي لخلق فضاء بصري يعكس الغموض والانفصال النفسي بين الشخصيات، وهو ما اعتبره النقاد أحد أبرز عناصر العرض، إلى جانب كسر الحاجز التقليدي بين الممثل والجمهور.
وعلى مسرح قصر ثقافة الأنفوشي بالإسكندرية، قدمت الهيئة العرض المسرحي «سالب صفر»، تأليف مصطفى طلعت وإخراج أشرف علي، والذي ناقش سيطرة التكنولوجيا والعالم الافتراضي على الواقع الإنساني.
وتدور أحداث العرض داخل مختبر فيزيائي حول عالم متخصص في الذكاء الاصطناعي يسعى إلى ابتكار شريحة إلكترونية تمحو الذكريات السيئة من عقول البشر، في محاولة لنشر قيم الخير والسلام، قبل أن تكشف الأحداث التناقض بين التقدم العلمي والضعف الإنساني.
وأوضح المخرج أن العمل يحاكي عالم الواقع الافتراضي (VR)، ويطرح تساؤلات حول حدود تدخل التكنولوجيا في تشكيل الوعي الإنساني، من خلال فضاء بصري مستقبلي يعتمد على الإضاءة والديكور وتقنيات المابينج لإبراز هيمنة العالم الرقمي على البشر.
وفي الإسكندرية أيضا، واصل الملتقى الأدبي الرابع والعشرون لإقليم غرب ووسط الدلتا الثقافي فعالياته تحت عنوان «تحديات التلقي وآليات التجديد.. أدب الإقليم نموذجا»، حيث ناقشت الجلسة البحثية الثالثة قضايا المرأة في الأدب، إلى جانب إشكاليات الكتابة بالذكاء الاصطناعي.
وتحدث الدكتور بهاء حسب الله عن صورة المرأة في الرواية والقصة المصرية منذ بدايات القرن العشرين، مستعرضا نماذج من أعمال محمد حسين هيكل ومحمود تيمور ونجيب محفوظ ويحيى حقي، باعتبارها نصوصا رصدت التحولات الاجتماعية وقضايا المرأة والهوية.
كما ناقش الباحث إبراهيم معوض مفهوم «مفارقة الإبداع القصصي للذكاء الاصطناعي»، موضحا أن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع إنتاج أنماط سردية معقدة تعتمد على الوعي الإنساني والعاطفة والذاكرة، مثل «المكان المجازي» و«الزمن النفسي غير الخطي» و«الصراع القيمي» و«الازدواج الشعوري المتزامن».
وأكد المشاركون في الجلسة أهمية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي بصورة آمنة، مع الحفاظ على اللغة العربية بوصفها حاملة للهوية الثقافية ووعاء للتراث الإبداعي.
وفي إطار دعم الحركة التشكيلية، تستعد الهيئة العامة لقصور الثقافة لافتتاح معرض «ملتقى الغربية للرسم والتصوير.. المولد» بقاعة آدم حنين بمركز الهناجر بدار الأوبرا المصرية، بمشاركة 16 فنانا وفنانة، في تجربة تسعى إلى توثيق البيئات المصرية وإنتاج أعمال تشكيلية تعكس روح المكان وثراءه الإنساني.
وتعكس هذه الفعاليات المتنوعة استمرار قصور الثقافة في تقديم مشروع ثقافي وفني يتجاوز الترفيه، ليطرح أسئلة تتعلق بالإنسان والهوية والحرية، في ظل عالم تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والتكنولوجية بصورة غير مسبوقة.



