قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

"برشامة".. لماذا تحركت الأحزاب الدينية ضد الفيلم؟

فيلم برشامة
فيلم برشامة

تحوّل فيلم برشامة في الأيام الأخيرة إلى واحد من أكثر الأعمال السينمائية إثارة للنقاش على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما انقسم الجمهور والنقاد بين من اعتبره معالجة ساخرة لظاهرة اجتماعية متجذرة هي الغش في الامتحانات، وبين من رأى أن بعض مشاهده وما تضمنه من “إفيهات” تجاوزت الخطوط الحمراء المرتبطة بالثوابت الدينية والقيم العامة.

الفيلم الذي يضم مجموعة من النجوم من بينهم ريهام عبد الغفور وعارفة عبد الرسول وباسم سمرة ومصطفى غريب وكمال أبو رية، ومن إخراج خالد دياب، ينتمي إلى نوعية الكوميديا الاجتماعية التي تعتمد على المفارقات الساخرة داخل بيئة الامتحانات، وتحديدًا مرحلة الثانوية العامة بما تحمله من ضغط اجتماعي ونفسي واسع الانتشار في المجتمع.

ثقافية الصحفيين تعلن تضامنها مع اتحاد النقابات الفنية وصناع فيلم برشامة

انقسام واضح في الرأي العام

بدأ الجدل مع عرض الفيلم على إحدى المنصات الرقمية بالتزامن مع طرحه في دور العرض خلال موسم عيد الأضحى، حيث انتشرت مقاطع قصيرة منه على مواقع التواصل الاجتماعي، لتفتح بابًا واسعًا للنقاش. فريق من الجمهور رأى أن العمل يسلط الضوء على ظاهرة الغش بطريقة كوميدية ذكية، ويكشف التناقضات داخل المنظومة التعليمية دون أن يهاجم أي قيمة دينية بشكل مباشر.

في المقابل، اعتبر آخرون أن بعض الجمل الحوارية والمواقف الكوميدية تجاوزت حدود المقبول، ورأوا فيها إسقاطات غير موفقة على الرموز الدينية أو استخدامًا للرموز بشكل ساخر لا يتناسب مع طبيعة العمل الفني، وهو ما أشعل موجة من الانتقادات الحادة على المنصات الرقمية.

دخول البعد السياسي على الخط

ومع تصاعد الجدل، لم يتوقف الأمر عند حدود النقاش الفني أو الاجتماعي، بل امتد إلى الساحة السياسية، حيث تقدم عدد من النواب المنتمين إلى “حزب النور” السلفي بطلبات برلمانية تطالب بوقف عرض الفيلم ومساءلة القائمين عليه، بدعوى احتوائه على “تجاوزات تمس الثوابت الدينية وتروج لظواهر دخيلة على المجتمع”.

هذا التطور نقل القضية من إطارها الفني إلى مساحة أوسع تتعلق بدور المؤسسات التشريعية في التعامل مع المحتوى الثقافي، وهو ما أعاد إلى الواجهة نقاشًا قديمًا متجددًا حول حدود الرقابة ودور الدولة في تنظيم الإنتاج الفني.

وتقدم أحد أعضاء مجلس النواب ببيان عاجل إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير الثقافة والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، دعا فيه إلى التدخل لمراجعة الفيلم تمهيدًا لوقف عرضه.

واستند الطلب البرلماني إلى ما اعتبره مخالفات تتعلق بتناول الفيلم لمفاهيم دينية وشخصيات فقهية في إطار كوميدي ساخر، معتبرًا أن بعض مشاهده تمس الرموز الدينية وتتجاوز حدود حرية الفن، مع دعوات لحماية الهوية الثقافية والدينية.

وفي المقابل، أعلنت اللجنة الثقافية والفنية بنقابة الصحفيين تضامنها مع صناع فيلم "برشامة" ومع اتحاد النقابات الفنية، في ظل تصاعد الجدل حول العمل وامتداد الأزمة إلى البرلمان، الذي شهد مطالبات بسحب الفيلم من دور العرض.

وأكدت النقابة رفضها لِما وصفته بحملات التحريض والتكفير التي طالت الفيلم، مشددة على دعمها لحرية الإبداع ورفض أي محاولات للوصاية على الأعمال الفنية أو مصادرة حق صناعها في التعبير.

أعلنت نقابة الصحفيين دعمها لاتحاد النقابات الفنية برئاسة المخرج عمر عبد العزيز، إلى جانب النقابات الفنية الثلاث: التمثيلية والسينمائية والموسيقية، مؤكدة رفضها لأي دعوات لمنع عرض الفيلم أو حذفه.

وشددت النقابة على أن النقد الفني حق مكفول، لكنه يجب أن يُمارَس في إطار موضوعي بعيدًا عن التشهير أو التخوين أو حملات التحريض، محذرة من تحول الخلافات حول الأعمال الفنية إلى خطاب كراهية أو ضغط معنوي على المبدعين.

سؤال الحرية الفنية في مواجهة الرقابة

القضية التي أثارها الفيلم تجاوزت في جوهرها حدود العمل نفسه، لتفتح نقاشًا أكثر عمقًا حول مفهوم الحرية الفنية. 

فبينما يرى مؤيدو حرية الإبداع أن الكوميديا بطبيعتها تعتمد على المبالغة والسخرية، وأن تناول الظواهر السلبية مثل الغش والتسيب التعليمي حق مشروع للفن، يرى المعترضون أن هذا النوع من الطرح يجب أن يلتزم بضوابط واضحة تحمي القيم الدينية والاجتماعية.

وهذا التباين الحاد في المواقف يعكس حالة من التوتر الدائم بين الإبداع والرقابة، حيث يصبح العمل الفني ساحة اختبار لمدى تقبل المجتمع لفكرة النقد الساخر، خاصة عندما يقترب من مناطق حساسة ثقافيًا ودينيًا.

من النقد الفني إلى الاتهام المباشر

اللافت في أزمة الفيلم أن مسار الجدل انتقل سريعًا من تقييم المحتوى الدرامي أو جودة الكتابة إلى مستوى الاتهام المباشر بالإساءة. فبدلًا من مناقشة ما إذا كانت الكوميديا ناجحة أو الحبكة متماسكة، تحول النقاش إلى اتهامات تتعلق بالمساس بالمقدسات، وهو ما يعكس تغيرًا في طبيعة استقبال الأعمال الفنية في الفضاء العام.

هذا التحول يثير تساؤلات حول مدى قدرة النقد الفني التقليدي على الصمود أمام موجات الغضب الرقمي السريع، حيث تتحول مقاطع قصيرة من العمل إلى مادة حكم نهائي قبل مشاهدة السياق الكامل للفيلم.

قراءة في بنية الفيلم وأزمة الكوميديا

بعيدًا عن الجدل، يعيد فيلم برشامة فتح ملف أوسع يتعلق بصناعة السينما الكوميدية، التي باتت تعتمد في كثير من الأحيان على “الإفيه السريع” والموقف اللحظي بدلًا من البناء الدرامي المتماسك. هذه المقاربة قد تحقق انتشارًا واسعًا على منصات التواصل، لكنها في المقابل تجعل العمل أكثر عرضة لسوء الفهم أو الاقتطاع خارج سياقه.

ويرى مراقبون أن المشكلة لا تكمن فقط في مضمون النكات، بل في طبيعة الكتابة نفسها التي قد تدفع الجمهور إلى التركيز على اللحظات المثيرة للجدل بدلًا من متابعة الرسالة الكاملة للعمل.

ويعكس الجدل حول فيلم برشامة حالة أوسع من التوتر بين ثلاث دوائر متداخلة: حرية الإبداع، وحساسية المجتمع، ودور المؤسسات التشريعية في تنظيم المجال الثقافي.