صدر حديثاً عن مشروع كلمة للترجمة التابع لـ مركز أبوظبي للغة العربية كتاب «قصص الغريب: تاريخ الرواية عبر الترجمة العربية» للباحثة رِبِكا جونسن، بترجمة الدكتور حسام نايل.
ويعد الكتاب إضافة نوعية إلى حقل الدراسات الأدبية المقارنة، إذ يقدّم قراءة جديدة لتاريخ نشأة الرواية العربية، متجاوزاً التصورات القومية التقليدية التي طالما ربطت بدايات الرواية العربية بأعمال بعينها، وفي مقدمتها رواية «زينب» الصادرة عام 1913.

وتنطلق جونسن من مراجعة نقدية للسرديات الأدبية السائدة، كاشفة عن الدور المحوري الذي أدّته مئات الروايات المترجمة والمحوّرة عن اللغتين الإنجليزية والفرنسية خلال القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.
وتبيّن أن هذه الأعمال لم تكن مجرد نقل للنصوص الأوروبية إلى العربية، بل شكلت فضاء للإبداع وإعادة الصياغة، وأسهمت في بلورة تصورات جديدة للشكل الروائي من خلال ممارسات متنوعة شملت الترجمة والتصرف والتحوير وإعادة التأليف.
ويركز الكتاب على الترجمة بوصفها بنية أساسية في تشكل الحداثة الأدبية العربية، لا باعتبارها وسيلة لنقل المعرفة الغربية فحسب، بل بوصفها أداة لإنتاج هوية أدبية جديدة انخرطت في حوار مع الاستعمار والحداثة والتقاليد المحلية في آن واحد.
ومن خلال تتبع تاريخ الترجمة والنشر في مدن مثل بيروت والقاهرة ومالطة وباريس ولندن ونيويورك، بدءاً من الترجمة العربية لرواية «روبنسون كروزو» عام 1835، وصولاً إلى روايات الجريمة والقصص العاطفية التي نشرت في الصحافة العربية، تكشف الدراسة عن شبكة واسعة من التبادل الثقافي أسهمت في ترسيخ الرواية بوصفها جنساً أدبياً عابراً للحدود.
كما يقدم الكتاب مراجعة نظرية لمفاهيم الأصالة والترجمة والتبادل الثقافي والهوية الأدبية، مؤكداً أن ما وصف أحياناً بـ«الترجمة الرديئة» أو «إساءة الترجمة» أو «الترجمة الزائفة» لم يكن مجرد انحراف عن الأصل، بل مثل في كثير من الأحيان ممارسة إبداعية أسهمت في إنتاج وعي جديد بالشكل الروائي داخل الثقافة العربية.
وفي كلمة المترجم، أوضح الدكتور حسام نايل أنه حرص على تقديم نص عربي سلس يجمع بين الدقة الأكاديمية وسهولة القراءة، مع الإكثار من ضبط الكلمات بالشكل تيسيراً على القارئ، كما أضاف عدداً من الهوامش التوضيحية للمفاهيم الواردة في الكتاب، وألحق به كشافين مستقلين للأعلام والمصطلحات دعماً للفائدة البحثية والعلمية.
ويطرح الكتاب رؤية جديدة لموقع الأدب العربي في الأدب العالمي، مؤكداً أن الترجمة كانت في صلب تشكل الرواية العربية الحديثة، وأن تاريخ هذا الجنس الأدبي لا يمكن فهمه بمعزل عن عمليات الترجمة وإعادة الكتابة والتفاعل الثقافي التي أسهمت في صياغته.
ويعد الدكتور حسام نايل أحد أبرز المترجمين والباحثين المصريين في مجالات النظرية الأدبية والنقد الثقافي والفلسفة المعاصرة، وهو أستاذ النظرية والنقد بالمعهد العالي للنقد الفني بأكاديمية الفنون، وعضو مجمع اللغة العربية واتحاد الكتاب المصري.

أصدر وترجم أكثر من 25 كتابًا في مجالات الأدب والفلسفة والعلوم الاجتماعية، من بينها: التصوف والتفكيك، والنظام السياسي في مجتمعات متغيرة، والساحة والبرج: الشبكات والسلطة من الماسونيين الأحرار إلى فيسبوك، وحيوان اللغة، والتفكيك والفلسفة.
وحصل على عدد من الجوائز المرموقة، منها جائزة الدولة التشجيعية في الدراسات الإنسانية، وجائزة رفاعة الطهطاوي للترجمة، وجائزة اتحاد الكتاب المصري، كما نشر عشرات الدراسات والأبحاث المتخصصة في النقد الأدبي والثقافي والتحولات المعرفية المرتبطة بالتكنولوجيا والوسائط الرقمية.
