في الوقت الذي تبذل فيه الدولة جهودا متواصلة لتطوير المنظومة الصحية وتحسين جودة الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين، تظهر بين الحين والآخر وقائع صادمة تكشف عن وجوه خطيرة تتسلل إلى هذا القطاع الحساس، مستغلة ثقة المرضى وحاجتهم إلى العلاج.
فبين عيادات وهمية ومراكز طبية غير مرخصة ومنصات إلكترونية تنشر معلومات صحية مضللة، يجد بعض منتحلي الصفة طريقهم إلى المواطنين دون امتلاك الحد الأدنى من التأهيل العلمي أو المهني، ما يضع أرواح المرضى على المحك ويحول العلاج إلى مصدر محتمل للخطر.
وخلال أقل من أسبوع واحد، شهدت الساحة المصرية واقعتين أثارتا حالة واسعة من الجدل والغضب، بعدما تمكنت الجهات المختصة من ضبط شخصين انتحلا صفة طبيبين، رغم أن كليهما لا يمت إلى المجال الطبي بصلة.
ففي الواقعة الأولى، ألقت الأجهزة الأمنية القبض على شخص يدعى (و.م)، كان يقدم نفسه باعتباره طبيب قلب شهير ورئيس قسم جراحات القلب بجامعة عين شمس، وذلك لتنفيذ حكم قضائي نهائي صادر ضده بالسجن لمدة 10 سنوات.
وكشفت التحقيقات أن المتهم تورط في تزوير مؤهله الدراسي وانتحال صفة طبيب متخصص في جراحات القلب، فضلا عن تزوير أربع بطاقات رقم قومي استخدمها في تسهيل نشاطه غير المشروع، وكانت المفاجأة الصادمة أن المتهم مفصول من كلية الألسن، ولا يمت لمهنة الطب بأي صلة علمية أو مهنية.
ورغم ذلك، تمكن لسنوات من ممارسة نشاطه داخل عيادة طبية بمنطقة وسط البلد بالقاهرة، مستقبلا المرضى ومقدما نفسه باعتباره طبيبا متخصصا، في واقعة تثير تساؤلات عديدة حول حجم المخاطر التي كان يمكن أن يتعرض لها المرضى الذين وثقوا في شخص لا يمتلك أي مؤهل طبي.
أما الواقعة الثانية، فجاءت من محافظة الجيزة، حيث أعلنت وزارة الصحة والسكان إغلاق وتشميع مركز متخصص في استشارات التغذية الصحية بمنطقة الشيخ زايد، بعد حملة رقابية كشفت عن مخالفات جسيمة داخل المنشأة.
ووفقا لما أعلنته الوزارة، أسفرت الحملة عن ضبط فتاة حاصلة على ليسانس حقوق ومشطوبة من نقابة المحامين، كانت تدير المركز وتنتحل صفة طبيبة، كما كانت تقوم بالكشف على المرضى وتقديم استشارات طبية دون أي ترخيص أو مؤهل يؤهلها لذلك.
ولم تتوقف المخالفات عند حدود إدارة المركز، إذ كشفت وزارة الصحة أن المتهمة تمتلك قناة على موقع يوتيوب ومنصات تواصل اجتماعي تضم آلاف المتابعين، وكانت تستغل تلك المنصات في نشر معلومات ومحتويات طبية وصفتها الجهات المختصة بالمضللة والخطيرة.
وأشار المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة إلى أن نقابة الأطباء سبق أن أدانت ادعاءات المتهمة المتعلقة بأسباب نزيف الرحم وطرق علاجه، مؤكدة أن ما كانت تروج له يفتقر إلى الأساس العلمي والطبي، الأمر الذي كان من الممكن أن يدفع بعض المرضى إلى اتخاذ قرارات علاجية خاطئة قد تترتب عليها مضاعفات صحية خطيرة.
وتعكس الواقعتان خطورة ظاهرة انتحال الصفة الطبية التي لا تمثل مجرد جريمة تزوير أو مخالفة قانونية، بل تشكل تهديدا مباشرا لصحة المواطنين وسلامتهم، فالمريض الذي يلجأ إلى الطبيب يبحث عن الأمان والعلاج، وعندما يقع ضحية لشخص منتحل للصفة فإنه قد يتعرض لتشخيص خاطئ أو وصف أدوية غير مناسبة أو تأخير العلاج الصحيح، وهو ما قد يقود في بعض الحالات إلى مضاعفات جسيمة أو فقدان الحياة.
كما تسلط هذه الوقائع الضوء على أهمية الرقابة المستمرة على العيادات والمراكز الطبية والمنصات الرقمية التي تقدم محتوى صحي، خاصة مع تزايد اعتماد المواطنين على وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على المعلومات الطبية، الأمر الذي يفتح الباب أمام بعض مدعي الخبرة لاستغلال ثقة الجمهور وتحقيق مكاسب مادية على حساب صحة الناس.
ومن جانبها، تواصل وزارة الصحة بالتعاون مع الأجهزة الأمنية والجهات الرقابية المختلفة حملاتها المكثفة لضبط المخالفات الطبية وإغلاق المنشآت غير المرخصة، في إطار جهود الدولة لحماية المواطنين وضمان تقديم الخدمات الصحية من خلال كوادر مؤهلة ومعتمدة فقط.
وفي هذا الصدد، يقول المحامي ربيع سالم، إن يعاقب القانون المصري مرتكبي مثل هذه الجرائم من خلال عدة نصوص قانونية تتعلق بانتحال الصفة والتزوير ومزاولة مهنة الطب دون ترخيص، فوفقا لأحكام قانون مزاولة مهنة الطب، يعاقب كل من يزاول مهنة الطب دون أن يكون مقيدا بسجلات الأطباء المرخص لهم بذلك، كما يواجه المنتحل للمهنة عقوبات جنائية قد تشمل الحبس والغرامة.
وأضاف سالم- خلال تصريحات لـ "صدى البلد": "وفي حال اقتران الواقعة بتزوير شهادات أو محررات رسمية أو بطاقات رقم قومي أو مستندات حكومية، فإن العقوبات تصبح أشد، إذ قد تصل إلى السجن المشدد لسنوات طويلة وفقا لأحكام قانون العقوبات المتعلقة بالتزوير في المحررات الرسمية واستعمالها".
وأشار سالم: "وهذه الاتهامات تتعلق بالنصب والاحتيال وتعريض حياة المواطنين للخطر، إذا ثبت تحقيق مكاسب مالية أو وقوع أضرار صحية نتيجة الممارسات غير المشروعة".



