تشهد أوروبا نقاشاً متصاعداً حول استخدام أجهزة تكييف الهواء، بعدما تحولت موجات الحر القياسية إلى قضية سياسية تتجاوز الجوانب الصحية، وسط انقسام بين من يرى أن التوسع في استخدام التكييف ضرورة لحماية الأرواح، ومن يحذر من أن الاعتماد المفرط عليه قد يتعارض مع أهداف الحد من الانبعاثات والتكيف طويل الأمد مع تغير المناخ.
وجاء هذا الجدل في وقت سجلت فيه عدة دول أوروبية درجات حرارة غير مسبوقة، إذ بلغت الحرارة في ولاية براندنبورغ شرقي ألمانيا 41.7 درجة مئوية، وهو مستوى قياسي دفع كثيرين إلى إعادة النظر في وسائل مواجهة الحرارة الشديدة.
ورغم تصاعد درجات الحرارة، لا تزال أجهزة التكييف ثابتة التركيب موجودة في نحو 6% فقط من المنازل الألمانية، مقارنة بنحو 90% من المنازل في الولايات المتحدة، ما يعكس اختلافاً كبيراً في أساليب التكيف مع المناخ بين الجانبين.
ويقول خبراء الصحة إن أوروبا نجحت خلال السنوات الماضية في خفض الوفيات المرتبطة بموجات الحر بفضل خطط الطوارئ، مثل إصدار الإنذارات المبكرة، وفتح مراكز التبريد، وإغلاق المدارس عند الضرورة، إلا أنهم يؤكدون أن موجات الحر أصبحت أكثر شدة وتكراراً، ما يستدعي تطوير وسائل الحماية.
الجدل يتجاوز المناخ
أصبح ملف التكييف جزءاً من السجال السياسي في عدد من الدول الأوروبية، إذ تتهم أحزاب يمينية الحكومات بوضع الاعتبارات البيئية فوق سلامة المواطنين.
ففي ألمانيا، اتهم حزب "البديل من أجل ألمانيا" الحكومة بأنها تضحي بحياة الناس بسبب ما وصفه بـ"التشدد المناخي"، معتبراً أن القيود المرتبطة بكفاءة الطاقة تعرقل انتشار أجهزة التكييف.
كما تبنى حزب "التجمع الوطني" الفرنسي موقفاً مشابهاً، داعياً إلى توسيع استخدام التكييف، بالتزامن مع انتقاده السياسات البيئية التي تهدف إلى الحد من تغير المناخ.
وزاد الجدل حدة بعد تداول منشورات على منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً في الولايات المتحدة، اعتبرت أن انخفاض معدلات استخدام التكييف في أوروبا دليل على تشدد القوانين الأوروبية مقارنة بالنموذج الأمريكي.
لكن خبراء يؤكدون أن القضية أكثر تعقيداً من مجرد وجود أو غياب أجهزة التكييف، مشيرين إلى أن أوروبا ركزت تاريخياً على حلول طويلة الأجل، مثل تحسين العزل الحراري للمباني، وزيادة المساحات الخضراء، وإنشاء مراكز تبريد عامة، بدلاً من الاعتماد الكامل على أجهزة التكييف.
ويرى المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا، هانز كلوغه، أن التكييف ينبغي أن يُستخدم بصورة مدروسة، خاصة في الأماكن التي تضم الفئات الأكثر عرضة للخطر، مثل المستشفيات، ودور رعاية المسنين، والمدارس، ووسائل النقل العام.
حلول متوازنة لمواجهة الحر
يشير خبراء المناخ إلى أن أجهزة التكييف توفر حماية مهمة خلال موجات الحر، لكنها ليست خالية من الآثار الجانبية، إذ تؤدي إلى طرد الهواء الساخن إلى الشوارع، ما يزيد من ظاهرة "الجزر الحرارية" داخل المدن، كما ترفع استهلاك الكهرباء، الأمر الذي قد يزيد الضغط على شبكات الطاقة.
ومع ذلك، يؤكد الباحثون أن التأثير البيئي للتكييف في أوروبا يظل محدوداً نسبياً، خاصة مع تزايد الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة وتراجع استخدام الوقود الأحفوري في إنتاج الكهرباء.
وتختلف معدلات انتشار التكييف بشكل كبير بين الدول الأوروبية، إذ يمتلك أكثر من نصف المنازل في إيطاليا وإسبانيا أجهزة تكييف، بينما تبلغ النسبة نحو 24% في فرنسا، وترتفع إلى 48% في المناطق الجنوبية الأكثر حرارة، مقابل نحو 10% فقط في المناطق الشمالية.
أما في ألمانيا، فما زالت النسبة من بين الأدنى في أوروبا، ويرجع ذلك جزئياً إلى ارتفاع نسبة المستأجرين وصعوبة تركيب أجهزة التكييف في كثير من المباني.
ويرى خبراء أن الأولوية يجب أن تتركز على حماية الفئات الأكثر هشاشة، مثل كبار السن والمرضى، مع الاستمرار في تطوير حلول مستدامة تشمل زيادة الأشجار، والأسطح الخضراء، وتحسين تصميم المباني لتقليل امتصاص الحرارة.
كما دعا بعض الباحثين إلى توفير أجهزة التكييف في مشروعات الإسكان الاجتماعي، محذرين من اتساع الفجوة بين القادرين على تحمل تكاليف التبريد وغير القادرين، في ظل تصاعد موجات الحر عاماً بعد آخر.
وفي هذا السياق، أشارت الباحثة في علوم المناخ بجامعة أكسفورد، كلوي بريميكومب، إلى أن المجتمعات تستهلك كميات كبيرة من الطاقة لتبريد مراكز البيانات، متسائلة عما إذا كان ينبغي منح الأولوية لاستخدام الطاقة في حماية حياة البشر خلال موجات الحر الشديدة.