قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. عصام محمد عبد القادر يكتب: نقاء عطاء الأنثى

د. عصام محمد عبد القادر
د. عصام محمد عبد القادر

تستقر في أعماق الكيان الأنثوي جبلةٌ راسخة تنبض برعاية الآخرين وصيانة وشائج الود بغزارة وجدانية دافقة، تحاكي في سخائها انهمار غيث مطر يحيي الهشيم؛ فتنبعث من ثنايا هذا التكوين الفطري طاقة مفعمة حانية، تترجم مكنونات الرحمة إلى بذلٍ موصول لا يعرف الانقطاع؛ ليتأصل في هذا السياق الروحي قيم العطاء العفوي، الذي يروي ظمأ النفوس الباحثة عن الدفء الإنساني، ويمنح المحيطين أمانًا وارفًا يمتلئ بالسكينة والسلام الروحي.
يغدو الاندفاع العاطفي شريانًا حيويًا يبارك كل ما يمر به من تفاصيل الوجود؛ فيستنهض في القلوب بواعث الطمأنينة، عبر فيضٍ يوازي في غزارته ونفعه صيبًا طيبًا يحل بالبيداء؛ فتبلغ به ذروة النماء والارتواء؛ ليعيد صياغة العلاقات وفق أبعادٍ إنسانية سامية، تضمن استمرار المودة وتمنح المجتمعات استقرارًا، يحميها من عواصف الجفاء ويهب النفس البشرية سكينةً وراحةً دائمةً في دروب الحياة الوعرة.
تستقر صفة الاهتمام في سويداء الكيان الأنثوي بوصفها خصلةً أصيلة تهيمن على تفكيرها وشعورها الوجداني؛ فتمتد هذه الرعاية الشاملة لتشمل شتى الميادين، التي تتصل بحياتها، وتجعل منها فضاءً محفوفًا بسياج من المودة والرفق والحنو الدائم؛ فتنبثق من أعماق وجدانها طاقة غامرة تشمل كل تفصيلة تخص عالمها بعناية فائقة، تعكس نبل مقاصدها ورهافة حسها الإنساني البديع؛ لتضفي على الأيام بهجةً وسرورًا، وتهب من حولها دافعًا حقيقيًا نحو العطاء.
تأبى المشاعر الصادقة ترك شأن من شؤونها إلا وقد أضفت عليه من فيض عطفها ما يمنحه الدفء والأمان المستمر؛ فتتآلف القلوب تحت رعاية هذا العطاء المنساب، الذي يحول المسافات البعيدة إلى قرب والجمود المحيط بها إلى حياة نابضة، محققةً بذلك أسمى معاني البذل الموصول الذي لا يكتفي بصفة الحضور المؤقت، وإنما يتجاوزه إلى إحاطة كل ما يعز عليها بسياج من الرأفة والمحبة الوارفة.
تهيمن المحبة على رؤية الأنثى للوجود وتصبغ نظرتها للحياة بصبغة من التفاؤل والوداد المتبادل؛ فيخلو مسار قلبها النقي من شوائب الأنانية المذمومة، التي تضيق فيها آفاق النفس الإنسانية، وتكدر صفوها؛ لتنطلق بعد ذلك من إدراك عميق لمكانتها الرفيعة ودورها الحيوي المؤثر في استقامة تفاصيل المعيشة اليومية؛ فتجعل من هذا الفهم العميق محركًا أساسيًا لمساهمتها الفاعلة التي تمنح الواقع المحيط بها معناه الحقيقي وقيمته العليا.
تدرك الأنثى بيقين تام أن فاعليتها الإيجابية حجر الزاوية في بناء الاستقرار العاطفي والاجتماعي المنشود، وما هذا السخاء الإنساني إلا برهان قاطع على رقي غايتها وترفع وجدانها عن الذاتية الضيقة؛ لترسم بجمال روحها وبذلها المعهود ملامح عيش كريم يزدهر فيه كل من يقع في محيط رعايتها واهتمامها المستمر؛ لتصنع بذلك نسقًا اجتماعيًا متآلفًا يفيض بالخير والأمان، ويهب المحيطين بها استقرارًا دائمًا.
تعد العناية بالأنثى الدعامة الرئيسة والسر الكامن وراء عذوبة العطاء ونمائه المستمر؛ فعندما يقترن هذا الالتزام بحضور ماهية الإدراك القويم، يتشكل تناغم عميق مع فطرة الجسد وخصائصه، مما يمنحها تماسكًا فريدًا وقدرة استثنائية على الوصال وتجاوز العقبات مهما بلغت شدة الموقف وصعوبته؛ لترسي بذلك أساسًا قويًا من التآلف العائلي الذي يحمي المكونات الاجتماعية من التفكك ويضمن صياغة غد مشرق.
تنبثق هذه القوة لدى الأنثى من انضباط دقيق للمشاعر واتساقها التام مع صدق السريرة ونقاء الباطن؛ لترسم لوحة من التوازن النفسي، الذي يجعل حضورها منبعًا للطمأنينة والاحتواء؛ حيث تبدو مهارة النفس في إدارة انفعالاتها وترجمتها إلى مواقف تتسم بالثبات والرقي والقدرة على مواصلة البذل بروح تنبض بالثقة والمودة والسمو؛ لتهب المجتمع أمانًا مستدامًا يبعث السكينة في النفوس الحائرة.
يرتبط امتداد العطاء الأنثوي ارتباطًا وثيقًا بطبيعة البيئة المحيطة، ومدى ملاءمتها لخصائص تكوينها الرقيق؛ فكلما نعِمَت هذه البيئة الحاضنة بنعومة الدلال وسعة الاستيعاب، انطلقت طاقات البذل لديها؛ كأنهار جارية عذبة المذاق، تروي كل ما يحيط بها من مساحات الجفاف الإنساني؛ لتثمر مودةً تبهج القلوب العطشى، ويشكل التفهم العميق لمتطلبات روحها مادة خصبة لاستنهاض مكنونات الخير الكامن في وجدانها الطاهر.
تتحول تلك الرعاية المتبادلة إلى عطاء مستمر من السماحة والوداد؛ إذ تدرك الأنثى في ظل هذا المناخ الدافئ قيمتها؛ فتبادر إلى تقديم أجود ما لديها من حنان واحتواء؛ ليكون هذا الصنيع ثمرةً طبيعية لتناغم المحيط مع تطلعات النفس التواقة للتقدير، مما يمنح العلاقات الإنسانية نضارة لا تذبل، وحيوية تتجدد بنقاء يضاهي في طهره وعذوبته أعذب المناهل الصافية في دروب الحياة.
يُشكّل التعاطف حاجةً وجدانية ملحة في الكيان الأنثوي، ومسارًا حيويًا يغذي الروح ويمنحها سكينة غامرة، بيد أن هذا الاحتياج يظل مشروطًا بكرامة النفس وعزة الوجدان؛ فهي تأبى بدوافع كبريائها الفطري أن يستحيل ذلك النبل في لحظة من اللحظات إلى لون من ألوان الشفقة؛ إذ ترى في نظرات الإشفاق انتقاصًا قاسيًا يورث شعورًا بالضعف المهين، الأمر الذي يهدد استقرارها النفسي ويزعزع أمنها الداخلي في مواجهة الآخرين.
يولّد الشعور بالشفقة لدى الأنثى إحساسًا بالدونية يهدر قيمة الذات لديها، وهو أمر يتنافى تمامًا مع مكنون الأنوثة، وما تنطوي عليه من كبرياء أصيل وأنفة رقيقة؛ فوجدان المرأة يبحث دومًا عن تشاركية متكافئة تدعم الحضور ولا تكسر الهيبة، ساعية نحو رعاية واعية قائمة على التقدير والمساواة العاطفية، بعيدًا عن نظرات الاستصغار التي تسلبها رواءها النفسي وقوة تأثيرها الفاعل في محيطها الإنساني.
يتصف مفهوم العطاء لدى الأنثى بخصوصية فريدة تقوم على ديمومة البذل واستمرارية الوصل، بغض النظر عن كميته أو مقداره في الواقع؛ فتشكل هذه الاستدامة الوجدانية معيارًا أساسيًا لقياس جودة العلاقة وعمقها الإنساني؛ ومن ثم فإن أي انقطاع في هذا السخاء أو توقف في مسيرة الود، يكرس في وعيها شعورًا بالإهمال، ويفتح الباب أمام هواجس الجفاء والتخلي الصعب.
يفرض ذلك ضرورة العناية الفائقة بطبيعة جُبلت في أصل تكوينها على فطرة العطاء دون تصنع؛ إذ يشكل هذا النبل العاطفي لغة التواصل الفطرية، التي تمنح الحياة معناها، وتؤكد على دورها الحيوي في رعاية الروابط الإنسانية، ويتوجب صيانة هذا النبع الفطري من الكدورات المعيقة لصفاءه؛ ليبقى عطاؤها نهرًا متجددًا يمنح الحب والاحتواء ويحمي الكيان الأسري والاجتماعي.