قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن سيدنا رسول الله كان يأمر الناس بالصدق، ويُحذِّرهم أشد التحذير من الكذب والاستمرار فيه، فقال: «لا يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يُكتب عند الله صدِّيقًا، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتى يُكتب عند الله كذَّابًا».
وأضاف علي جمعة، في منشور له على فيس بوك، متحدثا عن الصدق، إن الكذب ليس كلمة عابرة، بل هو افتراء يفسد القلب، ويهدم الثقة بين الناس، ويُفقد الكلام قيمته. وقد يتمادى الإنسان في الكذب حتى يختلط عليه ما اختلقه بما هو حقيقة، ثم تكون المصيبة الكبرى حين يصدِّق الناس هذا الكذب وينقلونه بينهم.
وقد أخبرنا النبي أن من علامات الساعة أن يفشو الكذب، وأن تختلط الحقائق بالأباطيل، حتى يُنهى عن المعروف ويُؤمر بالمنكر، ويصبح الباطل مألوفًا في النفوس.
خطورة الكذب ونشر الشائعات
وتابع: وقد تكذب النفس على صاحبها حتى يتخيّل الوهم حقيقة، ثم يصدِّق نفسه ويدافع عما توهَّمه، وهذه مصيبة كبرى، وبلية عظمى، نراها اليوم على شبكات الإنترنت؛ حيث يكرر بعض الناس الكذب حتى يصدِّقوه، ثم يجدون من يتلقاه بلا تثبُّت ولا مراجعة.
وأكد علي جمعة، أن المشكلة أن المعلومة قد يسمعها الإنسان خطأ، ثم يفهمها على غير وجهها، ثم ينقلها بصورة تختلف عما فهم، ثم تُكتب على نحو آخر، حتى تضيع الحقيقة بين السماع والفهم والنقل والكتابة.
ومن هنا قال رسول الله: «كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمع» منوها أنه لا يجوز للإنسان أن يجعل نفسه أداة لنشر الكذب والافتراء، ولو كان نقله ناتجًا عن التسرع وعدم التثبت.
وأشار إلى أن علماؤنا علمونا التوثُّق والتثبُّت، وقالوا: «الإسناد من الدين» فالإسناد والتوثيق هما اللذان يحفظان العلم من التحريف، ويمنعان أن يُنسب إلى القرآن والسنة ما ليس منهما.
وذكر علي جمعة، أنه قد تراكم الكذب في زماننا حتى صار عند بعض الناس منهجًا، وتهيأت النفوس لقبول الأخبار دون مراجعة، ثم امتدت الجرأة إلى الطعن في القرآن الكريم وفي سنة النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، اعتمادًا على أكاذيب لا أصل لها، وهذه نتيجة مؤلمة لترك الصدق، وإهمال التوثيق، والتساهل في نقل كل ما يُسمع.
وقال علي جمعة، إن القاعدة التي يجب أن تستقر في قلوبنا هي: الكذب كله شر، ولو رأيت فيه منفعتك، والصدق كله خير، ولو رأيت فيه مشقتك أو مهلكتك.
وكشف علي جمعة، عن كيفية الخروج من هذه الورطة وهذه الأزمة، منوها أن البداية تكون مع كتاب الله؛ حفظًا، وتلاوةً، وتدبرًا، وعملًا، فإذا حفظ الناس كتاب الله أُمِن عليهم كثير من الانحراف في الفكر، وكثير من الانحراف في السلوك، ولا سيما في هذا العصر الذي كثر فيه الكذب، واختلطت فيه الحقائق بالأوهام.
وأوضح أن كتاب الله ينير القلوب، ويغفر الذنوب، وهو حبل الله المتين، وأول ما ينبغي أن نعتني به في شأن القرآن هو حفظه؛ لأن الحفظ يجعل آياته حاضرة في القلب والعقل، يراجعها الإنسان في كل حين، ويتدبرها، ويستضيء بنورها في طريقه. فإذا وقع في خطأ أو زلَّة، وجد كتاب الله يردُّه إلى الصواب، ويعيده إلى طريق الهداية، وإلى رحاب ربه سبحانه وتعالى.
وتابع: ومن صحب القرآن حفظًا وتدبرًا وعملًا صار من أهله، وفتح الله له أبواب الفهم، ووفقه إلى حسن السلوك، وألهمه البصيرة في التمييز بين الحق والباطل، ومن هنا يترسخ الصدق في النفس، ويقوى خُلُق التثبت، وتصبح الأمانة في نقل الأخبار منهجًا لا يتخلى عنه المؤمن؛ فلا يحدِّث بكل ما يسمع، ولا ينقل إلا ما تحقق من صحته.
