رغم أن كرة القدم الحديثة لم تعد تعترف بالحدود وأصبح انتقال المدربين بين أكبر الأندية والمنتخبات أمرًا طبيعيًا فإن بطولة كأس العالم لا تزال تحتفظ بواحدة من أكثر قواعدها غرابة وثباتًا عبر التاريخ وهي أن الكأس الذهبية لا يرفعها إلا مدرب يحمل جنسية المنتخب المتوج.
وفي الوقت الذي يقود فيه الإيطالي كارلو أنشيلوتي منتخب البرازيل ويتولى الألماني توماس توخيل تدريب إنجلترا ويجلس الإسباني لويس إنريكي على مقاعد باريس سان جيرمان تبدو فكرة "المدرب الوطني" وكأنها فقدت قيمتها في عالم اللعبة إلا أن المونديال يواصل تقديم رسالة مختلفة تمامًا.
ومع وصول بطولة كأس العالم 2026 إلى محطتها الأخيرة عاد التاريخ ليؤكد أن البطولة الأكثر أهمية في كرة القدم لا تزال عصية على المدربين الأجانب بعدما حجز الإسباني لويس دي لا فوينتي والأرجنتيني ليونيل سكالوني بطاقتي النهائي ليضمن أحدهما استمرار تقليد استمر لما يقرب من قرن كامل.
96 عامًا.. والقاعدة لم تتغير
منذ انطلاق النسخة الأولى لكأس العالم عام 1930 وحتى نهائي نسخة 2026 أقيمت 23 بطولة وتوج خلالها 22 منتخبًا باللقب لكن القاسم المشترك بينها جميعًا كان وجود مدرب يحمل جنسية بلاده.
ورغم التطور الكبير الذي شهدته كرة القدم خلال العقود الأخيرة لم يتمكن أي مدرب أجنبي من كسر هذه القاعدة لتظل بطولة كأس العالم مختلفة عن بقية المسابقات العالمية.
2026 .. فرصة تاريخية ضاعت
بدت النسخة الحالية الأقرب لكسر هذا الحاجز التاريخي فالبرازيل التي لطالما اعتمدت على المدرب الوطني اتخذت قرارًا غير مسبوق بتعيين الإيطالي كارلو أنشيلوتي لقيادة مشروعها الجديد بينما واصلت إنجلترا رهانها على الألماني توماس توخيل بحثًا عن لقب غاب منذ عام 1966.
كما شهدت البطولة واحدة من أعلى نسب المدربين الأجانب في تاريخ كأس العالم في انعكاس واضح لتغير فلسفة الاتحادات الوطنية وثقتها في الخبرات العالمية لكن النهاية جاءت مغايرة للتوقعات.
وخرج أنشيلوتي من المنافسة ولحق به توخيل بينما بقي في المشهد الختامي مدربان وطنيان فقط ليواصل التاريخ انتصاره على كل محاولات التغيير.
هل الأمر مجرد صدفة؟
قد تبدو المسألة لأول وهلة مجرد مصادفة إحصائية لكن استمرارها طوال ما يقرب من قرن يجعلها تستحق التوقف.
فالنجاح في كأس العالم لا يعتمد فقط على الجوانب الفنية أو الخطط التكتيكية بل يرتبط بعوامل يصعب قياسها بالأرقام.
المنتخب الوطني ليس نادياً يجتمع لاعبوه يوميًا بل فريق يعيش أسابيع قليلة مع مدربه قبل البطولات وهو ما يجعل فهم الشخصية الوطنية وطبيعة اللاعبين وثقافة غرفة الملابس عاملًا مؤثرًا في صناعة الفارق.
ولهذا يرى كثير من خبراء كرة القدم أن المدرب الوطني يبدأ البطولة وهو يمتلك رصيدًا من الثقة والانتماء لا يمكن اكتسابه خلال أشهر قليلة.
الهوية قبل التكتيك
تؤكد العديد من الدراسات في علم النفس الرياضي أن المنتخبات الوطنية تختلف عن الأندية في تكوينها النفسي.
فاللاعب لا يدافع فقط عن نتيجة مباراة بل يمثل وطنًا وتاريخًا وجماهير وهو ما يجعل لغة المدرب وثقافته وخلفيته جزءًا من عملية القيادة داخل غرفة الملابس.
وفي البطولات القصيرة تصبح التفاصيل الإنسانية أحيانًا أكثر أهمية من الرسم الخططي.
ولهذا ينجح بعض المدربين في استخراج أفضل نسخة من لاعبيهم لأنهم يعرفون عقلية البلد قبل أن يعرفوا طريقة اللعب.
دي لا فوينتي.. مشروع بدأ قبل سنوات
يعد لويس دي لا فوينتي نموذجًا واضحًا لهذه الفلسفة فالمدرب الإسباني لم يصل إلى المنتخب الأول من الخارج بل قضى أكثر من عقد داخل منظومة الاتحاد الإسباني أشرف خلالها على مختلف الفئات السنية وشارك في صناعة الجيل الحالي منذ سنوات.
قاد منتخب تحت 19 عامًا إلى لقب أوروبا ثم كرر الإنجاز مع منتخب تحت 21 عامًا قبل أن يتولى المنتخب الأول ويقوده إلى دوري الأمم الأوروبية ثم كأس أمم أوروبا وأخيرًا نهائي كأس العالم.
ولذلك لا تبدو العلاقة بينه وبين لاعبيه علاقة مدرب بفريق بل مشروع طويل بدأ قبل سنوات.
سكالوني.. ابن المشروع الأرجنتيني
الأمر نفسه ينطبق على ليونيل سكالوني فعقب الإخفاق في مونديال 2018 لم تلجأ الأرجنتين إلى اسم عالمي بل منحت الفرصة لأحد أبنائها.
ورغم الانتقادات التي لاحقته في البداية نجح سكالوني في إعادة بناء المنتخب خطوة بخطوة وقاده إلى التتويج بكوبا أمريكا ثم كأس العالم 2022 قبل أن يعيده إلى النهائي في نسخة 2026.
ولم يكن نجاحه قائمًا فقط على التكتيك بل على بناء شخصية جديدة للمنتخب أعادت الثقة إلى اللاعبين في أصعب اللحظات.
"فيفا" توقفت أمام الظاهرة
قبل انطلاق مونديال 2026 طرح الاتحاد الدولي لكرة القدم سؤالًا بدا منطقيًا في ظل انتشار المدربين الأجانب هل يشهد هذا المونديال أول مدرب أجنبي يرفع كأس العالم؟ .. لكن البطولة أجابت بالطريقة المعتادة.
فالمدربان الأجنبيان الأكثر شهرة في النسخة الحالية أنشيلوتي وتوخيل غادرا المنافسة بينما بقي مدربان من أبناء البلد في المشهد الأخير.






