قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. هبة محمد عيد تكتب: أول ضحايا الكذب.. صاحبه

د. هبة محمد عيد
د. هبة محمد عيد

معظم الأكاذيب تبدأ بخوف، خوف من خسارة، أو من اعتراف، أو من مواجهة حقيقة لا نملك الشجاعة الكافية للنظر إليها. لذلك يبحث الإنسان عن رواية تجعله أكثر راحة لكي يختبئ خلفها قليلًا، ثم يكتشف بعد زمن أنه لم يعد يختبئ خلفها من الآخرين بل من نفسه.

ولعل أخطر ما في الكذب أنه لا يكتفي بتضليل العقول ولكن على قدرته  الغريبة في إعادة تشكيل الذاكرة والوجدان. لذلك نجد أنه كلما ردد الإنسان الكذبة، ضعفت الحقيقة في داخله فيستمر في ذلك حتى يأتي يوم لا يملك القدرة فيه  على التمييز بين ما عاشه فعلًا، وما صنعه خياله لكي يهرب من الواقع.

ولهذا لا يكون الكاذب دائمًا ممثلًا بارعًا، فقط بل قد يصبح أول من يؤمن بما اختلقه من كذب فيروي الحكاية مرات ومرات ويستمتع بإضافة إليها من مشاعره ما يجعلها أكثر إقناعًا، ويحذف منها ما يؤلمه، حتى تتحول مع الأيام إلى نسخة جديدة من الواقع، يعيشها وكأنها الحقيقة الوحيدة.

وهنا تكمن المأساة التي صنعها بنفسه فالكذب لا يسرق الحقيقة من الآخرين فقط، بل ينتزعها من روح  صاحبه أيضًا ليصبح أسيرًا لصورة رسمها لنفسه يحرص على عدم انهبارها لأنها ستكشف هشاشته النفسية ويظل مستمرا في الدفاع عنها، ليس لأنها صحيحة، ولكن لأنه لم يعد لديه القدرة على الاعتراف بأنها كانت كذبة منذ البداية.

كذلك  لا يحدث هذا على مستوى الأفراد ففط  بل قد تتورط فيه أسر كاملة، ومؤسسات، بل ومجتمعات بأكملها. حين يصبح الإنكار أسهل من المواجهة، وتصبح الرواية المريحة أكثر قبولًا من الحقيقة المؤلمة، يبدأ الجميع في العيش داخل عالم مصنوع من الأوهام، حتى إذا اصطدموا بالواقع، كانت الصدمة أقسى من أن تُحتمل.
وفي النهاية نجد أن الحقيقة قد تؤلم، لكنها تحرر صاحبها، أما الكذب فقد يمنح صاحبه راحة مؤقتة، ولكنه يطالبه كل يوم بثمن جديد وهو كذبة تلو أخرى، وذاكرة أكثر إرهاقًا، وخوفًا أكبر من انكشاف المستور. ومع مرور الوقت، لا يعود الكاذب سجين كذبته فحسب، بل سجين الصورة التي صنعها عن نفسه.

وربما لهذا كان الصدق شجاعة قبل أن يكون فضيلة. فهو لا يعفينا من الخطأ، لكنه يمنحنا فرصة التصحيح ويجعلنا يُبقي بيننا وبين ذواتنا جسرًا لا ينقطع. أما الكذب، مهما بدا ذكيًا في بدايته، فإنه ينتهي دائمًا بالخسارة الأكبر وهي خسارة النفس، فيفقد الإنسان القدرة على رؤية الحقيقة، حتى وإن كانت تقف أمام عينيه.