أعادت الهزات الأرضية المتكررة التي شهدها المغرب خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع الزلزال الذي شعر به سكان عدة مناطق في مصر، تساؤلات كثيرة حول ما إذا كانت المنطقة تشهد بداية موجة من النشاط الزلزالي غير المعتاد، أم أن ما يحدث يدخل ضمن المعدلات الطبيعية لحركة الصفائح التكتونية.
وبين المخاوف الشعبية والتفسيرات العلمية، يؤكد خبراء الجيوفيزياء أن الزلازل لا يمكن التنبؤ بها مسبقا، وأن تكرار الهزات لا يعني بالضرورة اقتراب وقوع زلزال مدمر.

نشاط زلزالي ملحوظ شمال المغرب
وشهدت مناطق شمال المغرب، خاصة قبالة السواحل المتوسطية ومحيط مضيق جبل طارق، خلال الفترة الأخيرة سلسلة من الهزات الأرضية المتتابعة، وهو ما أثار حالة من القلق بين المواطنين، خاصة مع استمرار تسجيل هزات متفاوتة القوة خلال أيام متتالية.
وأوضح المعهد الوطني للجيوفيزياء بالمغرب أن هذه الهزات تركزت في مناطق بحرية معروفة تاريخيا بنشاطها الزلزالي، مؤكدا أن جميعها تخضع للرصد والمتابعة المستمرة عبر الشبكة الوطنية للمراقبة الزلزالية.
لماذا تتكرر الهزات؟
وبحسب مدير المعهد الوطني للجيوفيزياء المغربي، ناصر جبور، فإن النشاط الحالي يرتبط بإعادة تنشيط صدوع جيولوجية بحرية كانت تمر بفترة هدوء نسبي، وهو أمر يحدث بصورة طبيعية نتيجة الحركة المستمرة للصفائح التكتونية في منطقة غرب البحر المتوسط.
وأشار إلى أن تتابع الهزات لا يعد مؤشرا استثنائيا، بل يعكس تفريغا تدريجيا للطاقة المختزنة داخل القشرة الأرضية، لافتا إلى أن معظم الهزات المسجلة كانت ضعيفة أو متوسطة الشدة ولم تشكل خطرا على السكان أو المنشآت.
هل تعني الهزات المتكررة اقتراب زلزال أكبر؟
فلا توجد حتى الآن أي وسيلة علمية معتمدة تسمح بالتنبؤ بموعد أو مكان أو قوة الزلازل قبل وقوعها، كما أن تكرار الهزات الصغيرة لا يعني حتميا أن المنطقة على موعد مع زلزال قوي.
وتوضح المؤسسات العلمية الدولية أن بعض الهزات تكون "تمهيدية" لزلزال أكبر، بينما تكون في أغلب الحالات مجرد هزات مستقلة أو ارتدادية تنتهي تدريجيا دون أن يعقبها أي حدث كبير، لذلك لا يمكن اعتبارها مؤشرا مؤكدا على كارثة وشيكة.
لماذا تعد منطقة المغرب نشطة زلزاليا؟
ويرجع النشاط الزلزالي في المغرب إلى موقعه الجغرافي عند الحدود الفاصلة بين الصفيحة الإفريقية والصفيحة الأوراسية، وهي منطقة تشهد حركة مستمرة للصفائح الأرضية منذ ملايين السنين.
وتعد مناطق الريف، والحسيمة، وتطوان، ومضيق جبل طارق، من أكثر المناطق المغربية نشاطا زلزاليا، نتيجة وجود عدد من الصدوع الجيولوجية البحرية والبرية النشطة.
علاقة زلزال المغرب والهزات في مصر
يؤكد المتخصصون أن الزلازل التي تقع في دول متجاورة لا تعني بالضرورة وجود رابط مباشر بينها، إذ إن لكل منطقة نظامها الجيولوجي الخاص.
ورغم أن شرق البحر المتوسط يشهد نشاطا زلزاليا مستمرا، فإن الربط بين زلزال وقع في المغرب وأي هزة في مصر أو اليونان أو تركيا يحتاج إلى أدلة علمية دقيقة، ولا يمكن الجزم به بمجرد التقارب الزمني.
ماذا تنصح هيئة الرصد الزلزالي؟
تشدد هيئات الرصد الزلزالي على أهمية الاعتماد على البيانات الرسمية فقط، وعدم الانسياق وراء الشائعات التي تنتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن توقع وقوع زلازل مدمرة.
كما تؤكد أن شبكات الرصد تعمل على مدار الساعة لمتابعة أي نشاط زلزالي، وأن إصدار التحذيرات يتم وفق معايير علمية دقيقة، مع استمرار تحديث البيانات فور تسجيل أي هزة جديدة.
ومن جانبه، قال الدكتور علاء النهري، نائب رئيس المركز الإقليمي لعلوم وتكنولوجيا الفضاء بالأمم المتحدة ورئيس المركز القومي السابق للاستشعار من البعد، إن تكرار الهزات الأرضية في المغرب خلال الأيام الأخيرة لا يعني بالضرورة أن المنطقة مقبلة على زلزال مدمر.
وأضاف النهري- خلال تصريحات لـ "صدى البلد"، أن المغرب يقع ضمن نطاق جيولوجي نشط نتيجة التقاء الصفيحة الإفريقية بالصفيحة الأوراسية، وهو ما يجعل تسجيل هزات متفاوتة القوة أمرا معتادا من الناحية العلمية.
وتابع: "مصر تمتلك شبكة حديثة لرصد الزلازل تعمل على مدار الساعة، قادرة على تسجيل الهزات المحلية والإقليمية بدقة عالية، داعيا المواطنين إلى عدم الانسياق وراء الشائعات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي".
والجير بالذكر، أنه رغم أن تكرار الهزات الأرضية يثير القلق لدى المواطنين، فإن المعطيات العلمية الحالية لا تشير إلى وجود دليل يؤكد اقتراب زلزال كبير في المغرب أو المنطقة.
ويظل النشاط المسجل حتى الآن ضمن الطبيعة الجيولوجية لمنطقة غرب البحر المتوسط، فيما يبقى الالتزام بالمعلومات الصادرة عن الجهات الرسمية، والاستعداد الوقائي دون تهويل، هو السبيل الأمثل للتعامل مع مثل هذه الظواهر الطبيعية.



