قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

من وداع ياسر عرفات إلى تشييع 112 جثمانا.. كيف غيرت الحرب ملامح الجنازات في فلسطين؟

من وداع ياسر عرفات إلى تشييع 112 جثمانا.. كيف غيرت الحرب ملامح الجنازات في فلسطين؟
من وداع ياسر عرفات إلى تشييع 112 جثمانا.. كيف غيرت الحرب ملامح الجنازات في فلسطين؟

في مشهد أعاد إلى الأذهان محطات مفصلية في تاريخ القضية الفلسطينية، شيع أهالي قطاع غزة 112 جثمانا في واحدة من أكبر الجنازات الجماعية التي شهدها القطاع منذ اندلاع الحرب، في لحظة تختلط فيها مشاعر الحزن بالغضب، وتكشف حجم التحول الذي طرأ على المشهد الفلسطيني خلال العقدين الماضيين.

فبعد أكثر من عشرين عاما على الجنازة التاريخية للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، التي تحولت آنذاك إلى تظاهرة وطنية شارك فيها مئات الآلاف لتوديع رمز سياسي وقائد تاريخي، يقف الفلسطينيون اليوم أمام مشهد مختلف تماما، إذ لم تعد الجنازات تقتصر على وداع القادة، بل أصبحت العائلات بأكملها تشيع في مواكب جماعية، في صورة تعكس حجم الخسائر الإنسانية التي خلفتها الحرب المستمرة على قطاع غزة.

May be an image of crowd and text

112 جثمانا في موكب واحد

شهد قطاع غزة تشييع 112 جثمانا دفعة واحدة، في جنازة وصفت بأنها من أكبر الجنازات الجماعية منذ بداية الحرب، بعدما نقلت الجثامين من المستشفيات والمشارح إلى مثواها الأخير وسط مشاركة واسعة من الأهالي، في مشهد سيطر عليه الصمت والدموع ووداع جماعي لعشرات الضحايا.

May be an image of one or more people, crowd and text

ويعكس هذا المشهد حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع، حيث أصبحت عمليات الدفن الجماعي والمواكب التي تضم عشرات الشهداء في وقت واحد من المشاهد المتكررة نتيجة استمرار العمليات العسكرية وارتفاع أعداد الضحايا.

May be an image of one or more people, street, crowd and text

من جنازة الزعيم إلى جنازات الأسر

عندما توفي الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في نوفمبر 2004، تحولت مراسم تشييعه إلى حدث تاريخي تابعته وسائل الإعلام حول العالم، وشارك فيه مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين احتشدوا في الضفة الغربية وقطاع غزة لتوديع قائد ارتبط اسمه بالنضال الوطني الفلسطيني لعقود طويلة.

كانت تلك الجنازة تمثل وداعا لقائد ورمز سياسي، بينما كانت غالبية الجنازات الأخرى خلال تلك المرحلة تدور حول أفراد أو مجموعات محدودة، حتى في فترات التصعيد العسكري.

أما اليوم، فقد تبدل المشهد بصورة لافتة، إذ أصبحت الجنازات الجماعية تضم عشرات المدنيين من عائلات كاملة، بينهم أطفال ونساء وكبار سن، بعدما أدت الحرب إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا في غارات متلاحقة استهدفت مناطق سكنية ومراكز إيواء ومحيط مستشفيات، بحسب ما تعلنه الجهات الصحية في القطاع.

الحرب غيرت ملامح الوداع

لم يقتصر التغيير على أعداد المشيعين أو الضحايا، بل امتد إلى طبيعة مراسم الدفن نفسها.

ففي ظل الظروف الإنسانية الصعبة، ونقص الإمكانات، وضغط أعداد الضحايا، أصبحت مراسم التشييع تنجز في وقت قصير، بينما يدفن عشرات الأشخاص تباعا، وأحيانا في مقابر متجاورة، مع غياب كثير من الطقوس الاجتماعية التي اعتاد عليها الفلسطينيون في وداع ذويهم.

كما فرضت الحرب واقعا جديدا، حيث اضطر كثير من الأهالي إلى تأجيل التعرف على ذويهم أو دفنهم في ظروف استثنائية بسبب استمرار القصف وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق.

مشهد يلخص ثمن الحرب

 المقارنة بين جنازة ياسر عرفات والجنازات الجماعية الحالية لا تعكس اختلافا في حجم الحشود فحسب، بل ترصد التحول العميق في طبيعة المأساة الفلسطينية.

ففي عام 2004، كان الفلسطينيون يودعون قائدا تاريخيا في جنازة جسدت وحدة وطنية ورمزا سياسيا، بينما باتوا اليوم يودعون عشرات الضحايا في موكب واحد، في مشهد يختزل كلفة الحرب الإنسانية، ويعبر عن انتقال القضية من لحظات وداع القيادات إلى وداع العائلات بأكملها.

أزمة إنسانية مستمرة

وتأتي هذه الجنازة الجماعية في وقت تتواصل فيه الحرب على قطاع غزة، وسط تحذيرات متكررة من المنظمات الدولية بشأن تدهور الأوضاع الإنسانية، واستمرار سقوط الضحايا، وتفاقم أزمة النزوح ونقص الغذاء والدواء والخدمات الأساسية.

وصور تشييع 112 جثمانا دفعة واحدة ستبقى واحدة من أكثر المشاهد تأثيرا في تاريخ الحرب الحالية، لما تحمله من دلالات إنسانية تتجاوز الأرقام، وتعكس حجم المعاناة التي يعيشها سكان القطاع.

ومن جانبه، يقول الدكتور جهاد أبو لحية، ، إن لا تكمن أهمية الجنازة الجماعية التي شهدتها غزة بانتشال 112 جثمان من تحت الأنقاض في أنها الأكبر منذ اندلاع حرب الإبادة، بل في أنها تكشف تحول عميق في طبيعة الصراع الذي تخوضه إسرائيل في القطاع، وفي طبيعة الخسارة التي يعيشها الفلسطينيون.

ضرب مفاعل ديمونة.. ماذا وراء تصريحات الحرس الثوري؟

وأضاف أبو لحية- خلال تصريحات لـ "صدى البلد"، أن في نوفمبر 2004، شيع الفلسطينيون ياسر عرفات بوصفه قائد تاريخي ورمز للحركة الوطنية، كانت الجنازة، رغم رمزيتها الاستثنائية، تؤكد حقيقة أساسية: أن المجتمع الفلسطيني، بكل مكوناته السياسية والاجتماعية، كان لا يزال قادر على إنتاج قياداته، واستيعاب خسائره، ومواصلة مشروعه الوطني. كان الراحل هو الزعيم، أما المجتمع فكان حاضر، ومؤسساته قائمة، وعائلاته متماسكة.

وأشار أبو لحية، إلى أن أما الجنازة الجماعية بالأمس في غزة، فتعكس واقع مختلف تمام، فالحرب الإسرائيلية لم تقتصر على استهداف البنية العسكرية أو العمرانية، بل امتدت آثارها إلى البنية الاجتماعية نفسها، ولم يعد المشهد مشهد تشييع أفراد، بل تشييع عائلات بأكملها، أسر محيت أجيالها في غارة واحدة، وعائلات لم يبق منها من يحمل اسمها، أو من يقف لتلقي العزاء، أو حتى من يطالب بانتشال جثامين أقربائه من تحت الركام.

وتابع: "وهنا تكمن الدلالة السياسية الأعمق، فالحروب تقاس عادة بعدد القتلى، وحجم الدمار، والسيطرة على الأرض، لكن ما جرى في غزة يفرض معيار آخر: أثر الحرب في استمرارية المجتمع نفسه، فحين تصبح العائلة – بوصفها الوحدة الأساسية التي تحفظ الذاكرة والهوية والتماسك الاجتماعي – هدف تنتهي معه سلالات كاملة، فإن آثار الحرب تتجاوز الخسائر البشرية المباشرة إلى إعادة تشكيل البنية الديموغرافية والاجتماعية للمجتمع الفلسطيني". 

 وأردف: "لذلك، فإن المقارنة بين جنازة عرفات والجنازة الجماعية في غزة ليست مقارنة بين قائد و112 ضحية، بل بين مرحلتين من الصراع.. في الأولى، كانت إسرائيل تواجه مشروع سياسي تجسده قيادة وطنية.. أما في الثانية، فإن نتائج الحرب امتدت إلى الحامل الاجتماعي لذلك المشروع، أي المجتمع الفلسطيني نفسه، بما يحمله من عائلات وشبكات قرابة وذاكرة جماعية".

واختتم: "ولهذا، فإن صورة النعوش المتراصة في غزة ليست مجرد صورة للحرب، بل وثيقة سياسية عن طبيعة التحول الذي أحدثته، فهي تشير إلى انتقال الصراع من استهداف الفاعل السياسي إلى استنزاف البيئة الاجتماعية التي يقوم عليها هذا الفاعل، وإذا كانت جنازة ياسر عرفات قد جسدت نهاية مرحلة في تاريخ القيادة الفلسطينية، فإن جنازة العائلات في غزة قد تسجل في التاريخ باعتبارها اللحظة التي كشفت أن الحرب لم تعد تستهدف من يقود الفلسطينيين فحسب، بل المجتمع الذي يُبقي القضية الفلسطينية حية عبر الأجيال".

بين الأمس واليوم

والجدير بالذكر، أن إذا كانت جنازة ياسر عرفات قد مثلت لحظة تاريخية في مسيرة القضية الفلسطينية بوصفها وداعا لزعيم ارتبط اسمه بالنضال الوطني، فإن أكبر جنازة جماعية يشهدها قطاع غزة منذ بدء الحرب ترسم صورة مختلفة تماما، صورة شعب لا يودع قائدا واحدا، بل يودع عشرات من أبنائه في الوقت نفسه.

وبين المشهدين، تمتد أكثر من عقدين تغيرت خلالهما ملامح الصراع، لكن بقيت الجنازات شاهدا على محطات مفصلية في التاريخ الفلسطيني، الأولى حملت رمزية القائد، والثانية تحمل ثقل المأساة الإنسانية التي يعيشها المدنيون في قطاع غزة.