قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

علي جمعة: تقوى الله وبناء الإنسان منهج النبي ﷺ في إصلاح المجتمع

علي جمعة
علي جمعة

قال الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، إن سيدنا النبي ﷺ كان يتعهَّد أصحابه بالموعظة، ويوصيهم، ويُربِّي نفوسهم؛ ليُنشئ الإنسان الذي يعبد ربَّه، ويُزكِّي نفسه، ويُعمِّر ولا يُدمِّر. فقد اهتم رسول الله ﷺ بتربية الساجد قبل تزيين المساجد، وببناء الإنسان قبل إقامة البنيان؛ وترك لنا نورًا يُخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى يوم القيامة.

وأضاف جمعة، فى منشور له عبر صفحته الرسمية بموقع التواصل الإجتماعي فيسبوك، أنه لذلك ينبغي لنا أن نفهم عن سيدنا رسول الله ﷺ مراده، وأن نعرف كيف نحوِّل كلماته ووصاياه إلى برنامج حياةٍ يومي نعيش به وفيه.

يروي سيدنا العرباض بن سارية رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ وعظ أصحابه موعظةً بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقالوا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودِّع، فأوصنا.

لقد أدرك الصحابة أن الموعظة ليست كلماتٍ تُسمع ثم تُنسى، وإنما هي طريقٌ يُسلك، ومنهجٌ يُتَّبع، وعملٌ يُقام؛ ولذلك حرصوا على الخلاصة التي يضعها كل واحدٍ منهم نصب عينيه طوال حياته. ومن أجل ذلك فازوا، وما زلنا نذكر مواقفهم الكريمة وأحوالهم الشريفة بعد مرور أكثر من ألفٍ وأربعمائة عام؛ لأنهم حوَّلوا الموعظة إلى عمل، والوصية إلى حياة.

فقال لهم رسول الله ﷺ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ».

وتقوى الله هي مفتاح الطريق كله. تخيَّل أنك عشت حياتك وليس لك هدفٌ إلا أن تصل إلى تقوى الله؛ فهل تمتد يدك إلى رشوة؟ وهل تحدِّثك نفسك أن تسرق أو تظلم أو تعتدي؟ وهل ترضى أن تفعل الذنب في الخفاء، وقد جعلت تقوى الله هدفك وغايتك ونهاية طريقك؟

اجعل التقوى برنامجًا لحياتك؛ فإن الله يعينك على نفسك، وعلى الدنيا، وعلى الهوى، وعلى الشيطان ووسواسه، قال تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76].

وسُئل سيدنا عليٌّ رضي الله عنه عن التقوى، فقال: «هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل».

فالخوف من الجليل يحجز الإنسان عن المعصية، والعمل بالتنزيل يجعله ملتزمًا بأمر الله، والرضا بالقليل يحرره من طمع الدنيا، والاستعداد ليوم الرحيل يجعله دائم المراقبة لنفسه.

فألقِ حمولك على الله، وارضَ بما قسمه سبحانه وتعالى، وارضَ به سبحانه؛ فإنك لن تخسر، بل ستفوز في الدنيا والآخرة، وتشعر بالرضا والقناعة والتوكل على الله، وتكون الدنيا في يدك لا في قلبك.

ثم قال رسول الله ﷺ: «وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ».

والإسلام دين العالم كله؛ لا يعرف تفرقةً بين أسود وأبيض، ولا بين أحمر وأصفر، ولا يجعل التفاضل بين البشر إلا بالتقوى.

والسمع والطاعة هما اللذان يجمعان الجماعة ويحفظان استقرار المجتمع، ولكنهما ليسا خنوعًا ولا استسلامًا للباطل؛ بل هما جزءٌ من نظامٍ متكامل يقوم على النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى المراقبة والمساءلة.

فلا يصح أن نأخذ بعض هذا المنهج ونترك بعضه، قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85].

إنه منهجٌ كاملٌ يحفظ للمجتمع وحدته، ويمنحه القدرة على البناء: بناء الإنسان وبناء البنيان، وإن كان الإنسان قبل البنيان، والساجد قبل المساجد.

ثم قال رسول الله ﷺ: «وَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ».

ومعنى: «عضُّوا عليها بالنواجذ» أن نتمسك بسنة رسول الله ﷺ تمسكًا شديدًا؛ لأن الإنسان عند اختلاف الناس واضطراب الأحوال يحتاج إلى أصلٍ ثابتٍ يرجع إليه، وطريقٍ واضحٍ لا يضل فيه.

إنها وصيةٌ نبويةٌ جامعة تبني الفرد والمجتمع والأمة:

تقوى الله التي تُصلح الإنسان، ووحدة الجماعة التي تحفظ المجتمع، والتمسك بسنة رسول الله ﷺ عند الاختلاف.

هذا هو البرنامج الذي ربَّى به النبي ﷺ أصحابه: بناء الإنسان قبل البنيان، وتربية الساجد قبل تزيين المساجد، وتحويل الإيمان من كلماتٍ وشعارات إلى أخلاقٍ وأعمال ومواقف.

جزاك الله عنا يا سيدي يا رسول الله خيرًا؛ وفيت وكفيت، وبلَّغت فما قصَّرت.

وعلينا أن نتمثَّل بالصحابة الكرام، وألا نجعل حبَّنا لرسول الله ﷺ مجرد شعار؛ بل نحوِّل الموعظة إلى عمل، والوصية إلى منهج، والنصيحة إلى برنامجٍ يومي، حتى ننتقل من دائرة سخط الله إلى دائرة رضاه.