على ضفاف النيل، حيث اعتاد المارة أن يشاهدوا المياه في هدوئها، تحولت لحظات قليلة إلى مأساة إنسانية هزت مشاعر الجميع. قصة مروة، المعروفة إعلاميًا بـ«عروس المعادي»، لم تكن مجرد حادث غرق عابر، بل واقعة حملت بين تفاصيلها مشاهد من التضحية والشجاعة، انتهت بفقدان أربعة أشخاص حاول كل منهم إنقاذ الآخر.
وبعد ثمانية أيام كاملة من البحث داخل مياه النيل، انتهت رحلة البحث عن مروة بالعثور على جثمانها في منطقة خزان القناطر الخيرية، على مسافة بعيدة عن مكان سقوطها في المعادي.
بداية المأساة.. لحظات تحولت فيها النزهة إلى فاجعة
بدأت الواقعة عندما تعرضت فتاة صغيرة للغرق بالقرب من كورنيش المعادي، بعدما اختل توازنها وسقطت في مياه النيل. وفي مشهد يعكس شجاعة نادرة، لم تتردد مروة في محاولة إنقاذها، لتترك ما كانت تفعله وتتجه نحو المياه في محاولة لإنقاذ الفتاة.
لكن تيار النيل لم يمنحها فرصة للعودة، فتحولت محاولة الإنقاذ إلى مأساة أكبر، بعدما جرفتها المياه هي الأخرى.
ولم تتوقف محاولات الإنقاذ عند مروة، إذ شاهد طفلان سودانيان، كانا في المكان، ما يحدث فاندفع أحدهما إلى المياه في محاولة للمساعدة، ثم قفز شقيقه الأكبر خلفه عندما رأى أخاه يغوص في المياه.
وفي النهاية، ابتلعت المياه الأربعة، ليصبح المشهد واحدًا من أكثر مشاهد التضحية الإنسانية إيلامًا، حيث حاول كل شخص إنقاذ الآخر، لكن النهاية كانت مأساوية للجميع.
مروة.. عروس كان ينتظرها الفرح
أكثر ما جعل قصة مروة تلامس قلوب المصريين أن حياتها كانت تستعد لحدث سعيد، إذ كان من المقرر إقامة حفل زفافها خلال أيام قليلة.
وبدلًا من أن تستعد العائلة لاستقبال المدعوين والاحتفال بعروسها، تحولت التجهيزات إلى حالة من الحزن والانتظار، بينما كانت الأسرة تعيش أصعب أيامها بحثًا عن ابنتها.
وظلت عمليات البحث مستمرة لعدة أيام، في ظل ظروف صعبة للغاية، بسبب طبيعة مياه النيل والتيارات القوية وانعدام الرؤية في بعض المناطق، وهو ما جعل الوصول إلى الجثمان مهمة شديدة التعقيد.
سباق مع الزمن تحت مياه النيل
شارك في عمليات البحث عدد من فرق الإنقاذ والغواصين المتطوعين، ومن بينهم الغواص مصطفى كساب، الذي واصل عمليات البحث مع بقية المشاركين على مدار الأيام التالية للحادث.
وكانت عمليات البحث تعتمد على تتبع حركة المياه والتيارات، مع احتمالية انتقال الجثمان لمسافات بعيدة عن موقع السقوط.
وبالفعل، بعد مرور ثمانية أيام، ظهرت نقطة تحول مهمة في القضية، بعدما تلقى الغواص محمد دولار معلومات من أحد الصيادين، يُدعى الحاج عبد العزيز، عن وجود جثمانين في المياه بمنطقة القناطر الخيرية.
العثور على الجثمان بعد 8 أيام
انتهت رحلة البحث بالعثور على جثمان مروة داخل منطقة خزان القناطر الخيرية، بعدما قطعت المياه به مسافة كبيرة بعيدًا عن موقع سقوطها في المعادي.
وقال الغواص محمد دولار إن المسافة بين موقع الحادث ومكان العثور على الجثمان قدرت بنحو 80 كيلومترًا، وهو ما يفسر صعوبة العثور عليها خلال الأيام الأولى.
وأوضح أن التعرف على الجثمان تم من خلال بعض المتعلقات الشخصية، من بينها الدبلة والسلسلة، بينما كانت بعض الملابس الخارجية قد اختفت، وظهرت الملابس التي كانت ترتديها أسفلها.
وكان مصطفى كساب قد أعلن عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك» خبر العثور على مروة، مؤكدًا انتهاء رحلة البحث التي استمرت أيامًا.
شقيقة مروة توجه رسالة مؤثرة للغواص مصطفى كساب
بعد إعلان العثور على جثمان مروة، وجهت شقيقتها رسالة مؤثرة إلى الغواص مصطفى كساب، عبرت خلالها عن امتنانها لما بذله من جهود خلال عمليات البحث.
وأشادت شقيقة الراحلة بما وصفته بالجهد بعيدًا عن الأضواء، معتبرة أن كساب كان أحد الجنود المجهولين في رحلة البحث، وأن ما فعله سيظل محل تقدير لدى الأسرة.
كما نشرت صورة لشقيقتها بفستان الزفاف، في مشهد اختصر حجم المأساة؛ فالفستان الذي كان من المفترض أن يكون عنوانًا للفرح، أصبح شاهدًا على قصة عروس لم يكتب لها أن تصل إلى يوم زفافها.
غضب مصطفى كساب.. اتهامات بالاستعراض أمام الكاميرات
لكن العثور على الجثمان لم يكن نهاية القصة، إذ اندلع جدل جديد بعدما وجه مصطفى كساب انتقادات حادة لبعض الغواصين الذين ظهروا في وسائل الإعلام للحديث عن عمليات البحث.
وعبر حسابه الشخصي، أعرب كساب عن غضبه من تصريحات اعتبر أنها تمنح بعض المشاركين فضلًا غير حقيقي في العثور على الجثمان، مؤكدًا أن مروة ظهرت في النهاية بشكل طبيعي في منطقة القناطر دون أن يتم انتشالها بواسطة الغواصين الذين تحدثوا عن الأمر في الفضائيات.
وكتب كساب في منشوره منتقدًا ما وصفه بالتباهي والاستعراض أمام القنوات، مشيرًا إلى أن بعض من ظهروا إعلاميًا تحدثوا عن عمليات بحث واسعة داخل القناطر، بينما انتهت الواقعة بظهور الجثمان دون تدخل مباشر منهم.
كما طالب بمحاسبة من ينتحل صفة الغواص، في تصريحات أثارت تفاعلًا واسعًا، خاصة مع استمرار حالة الحزن التي خلفتها الواقعة.
بين البطولة والجدل.. مأساة لا تحتمل المزايدة
ورغم حالة الجدل التي ظهرت بعد العثور على الجثمان، تبقى الحقيقة الأهم أن هذه الواقعة خلفت أربعة ضحايا فقدوا حياتهم في محاولة لإنقاذ الآخرين.
كما كشفت القصة عن جانب آخر من العمل التطوعي في عمليات البحث والإنقاذ، حيث يخوض الغواصون ظروفًا بالغة الخطورة في مياه صعبة الرؤية والتيارات، بحثًا عن أشخاص لا يعرفونهم، مدفوعين فقط بالرغبة في مساعدة أسر تنتظر نهاية مؤلمة لرحلة البحث.
رحلة «عروس المعادي» انتهت بعد ثمانية أيام، لكن آثارها لن تنتهي بهذه السرعة. مروة التي كانت تستعد لارتداء فستان زفافها، تحولت قصتها إلى حكاية عن التضحية والفقد، بينما أصبح النيل شاهدًا على مأساة بدأت بمحاولة إنقاذ وانتهت بفقدان أربعة أرواح.

