قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

عاصفة شمسية فوق السحاب.. هل يصبح الطيران في مرمى الخطر الفضائي؟

السفر
السفر

بينما تبدو السماء من نافذة الطائرة هادئة ومستقرة، قد تكون في الفضاء أحداث أكثر عنفًا تجري في صمت، قادرة على التأثير في الرحلات الجوية بطرق لا يراها الركاب هذا ما حذرت منه دراسة حديثة أجراها باحثون في مركز الفضاء بجامعة سري البريطانية، بعدما كشفت أن العواصف الشمسية الشديدة قد ترفع مستويات الإشعاع على ارتفاعات التحليق، بل وتزيد احتمالات حدوث اضطرابات في بعض الأنظمة الإلكترونية للطائرات.

الدراسة، التي نُشرت عام 2026 في دورية Journal of Space Weather and Space Climate، تفتح الباب أمام سؤال مهم هل يمكن أن يصبح الطقس الفضائي أحد العوامل التي يجب أن تضعها شركات الطيران في حساباتها قبل إقلاع الرحلات؟

فوق السحاب حماية أقل من الإشعاع

تحلق الطائرات التجارية عادة على ارتفاعات تتراوح بين 8 و14 كيلومترًا، وهي مناطق تقل فيها الحماية التي يوفرها الغلاف الجوي للأرض من الإشعاع الكوني مقارنة بسطح الكوكب.

وفي الظروف الطبيعية، لا تمثل مستويات الإشعاع في هذه الارتفاعات خطرا استثنائيا على المسافرين، لكن الصورة قد تتغير عندما يطلق النشاط الشمسي عاصفة قوية تقذف بكميات هائلة من الجسيمات عالية الطاقة نحو الأرض.

وخلال عاصفة شمسية وقعت في 11 نوفمبر 2025، رصد فريق جامعة سري ارتفاعًا مؤقتًا في مستويات الإشعاع على ارتفاع يقارب 40 ألف قدم، لتصل إلى نحو عشرة أضعاف مستويات الخلفية الطبيعية.

ورغم أن تلك العاصفة لم تشكل خطرًا صحيًا مباشرًا على الركاب، فإن الباحثين يحذرون من أن أحداثًا شمسية أكبر بكثير قد تكون أكثر إثارة للقلق.

رحلة واحدة قد تعادل عامًا من الإشعاع

للتعرف إلى حجم الخطر المحتمل، لجأ الباحثون إلى نمذجة سيناريو مستند إلى أقوى حدث معروف من هذا النوع، والذي وقع عام 1956.

وتشير النتائج إلى أن المسافر الذي كان سيحلق خلال عاصفة شمسية مماثلة ربما يتعرض خلال رحلة واحدة لجرعة من الإشعاع تعادل تقريبًا ما يتلقاه من الإشعاع الكوني المرتبط بالطيران على مدار عام كامل.

وهنا تكمن المفارقة؛ فالخطر ليس حاضرًا في كل رحلة، لكنه قد يرتفع بصورة مفاجئة عندما تتزامن الرحلة مع عاصفة شمسية استثنائية.

الخطر لا يهدد الركاب وحدهم

الإشعاع ليس القصة كاملة فالجسيمات عالية الطاقة الناتجة عن النشاط الشمسي قد تصل إلى المكونات الإلكترونية للطائرات، وتتسبب في ظاهرة تعرف باسم اضطرابات الأحداث الفردية (SEUs).

وتحدث هذه الاضطرابات عندما تصطدم جسيمات عالية الطاقة بالمكونات الإلكترونية، فتغير قيمة بت داخل الذاكرة أو إحدى الدوائر الإلكترونية، ما قد ينتج عنه خطأ مؤقت في النظام.

وخلال عاصفة نوفمبر 2025، قدرت أبحاث جامعة سري أن معدل الأخطاء في بعض الأنظمة كان يمكن أن يصل إلى نحو 60 خطأً في الساعة لكل غيغابايت من الذاكرة، مقابل معدلات أقل بكثير في الظروف الطبيعية.

ولا يعني ذلك أن خطأً إلكترونيا واحدًا يمكن أن يؤدي تلقائيا إلى فقدان السيطرة على الطائرة، لكن زيادة هذه الاضطرابات خلال العواصف الشديدة تظل عاملًا يستحق المراقبة، خصوصًا مع اعتماد الطائرات الحديثة بصورة متزايدة على الأنظمة الإلكترونية.

الرحلات القطبية في دائرة الضوء

تبدو الرحلات التي تمر بالقرب من القطبين أكثر حساسية لهذه الظاهرة، ومن بينها بعض المسارات الطويلة مثل الرحلات بين لندن وفانكوفر.

والسبب يعود إلى أن المجال المغناطيسي للأرض، الذي يساعد في حمايتها من الجسيمات عالية الطاقة، يكون أضعف نسبيًا في المناطق القطبية.

وخلال العواصف المغناطيسية الأرضية الشديدة، قد يتسع نطاق التأثير ليصل إلى مناطق أبعد جنوبًا، ما يعني أن الأمر لا يقتصر بالضرورة على الطائرات التي تحلق فوق المناطق القطبية مباشرة.

هل تتوقف الطائرات أثناء العواصف الشمسية؟

رغم هذه المخاطر، لا يدعو الباحثون إلى إيقاف حركة الطيران عند كل نشاط شمسي الفكرة الأساسية هي الوصول إلى طريقة أكثر دقة لتقدير مستوى الخطر، بحيث تتخذ شركات الطيران قراراتها وفق شدة الحدث وتأثيره المتوقع.

وتشير الدراسة إلى أن بعض أنظمة الإنذار الحالية، التي تعتمد على رصد البروتونات منخفضة الطاقة، قد تنتج نحو عشرة إنذارات كاذبة مقابل كل إنذار حقيقي، وهو ما يجعل الاعتماد عليها وحدها لاتخاذ قرارات تشغيلية أمرًا غير مثالي.

مقياس جديد لمراقبة «الطقس الفضائي»

لهذا السبب، اقترح الباحثون في جامعة سري مقياسًا جديدًا للإشعاع الجوي مخصصًا لقطاع الطيران، يعتمد على قياسات البروتونات عالية الطاقة في الفضاء، إلى جانب بيانات أجهزة رصد النيوترونات الأرضية الموجودة في مواقع، من بينها ليرويك وكامبورن.

وقد يسمح هذا النظام مستقبلًا بتقييم المخاطر بصورة أكثر دقة، بدءًا من زيادة المراقبة، مرورًا بتعديل مسار الرحلة، وصولًا إلى اتخاذ إجراءات أكثر تشددًا في حال وقوع عاصفة شمسية استثنائية.

السماء هادئة لكن الفضاء ليس كذلك

لا تعني نتائج الدراسة أن السفر بالطائرة أصبح خطرًا أو أن الركاب عليهم القلق من كل توهج شمسي فالعواصف الشمسية الشديدة أحداث غير اعتيادية، وقطاع الطيران يمتلك بالفعل طبقات متعددة من أنظمة السلامة والحماية.

لكن الدراسة تسلط الضوء على تحدٍ جديد يتزايد الاهتمام به مع التطور السريع للطائرات واعتمادها المتنامي على الإلكترونيات.

ففي الوقت الذي يراقب فيه المسافرون الطقس على الأرض قبل التوجه إلى المطار، قد يصبح من الضروري مستقبلًا مراقبة الطقس في الفضاء أيضًا؛ لأن عاصفة بعيدة عن كوكبنا بملايين الكيلومترات قد تكون قادرة، في ظروف استثنائية، على ترك بصمتها فوق السحاب.