في أقصى جنوب الكرة الأرضية، حيث تمتد القارة القطبية الجنوبية تحت غطاء جليدي هائل، يختبئ عالم كامل لم تره عين بشرية مباشرة آلاف الأمتار من الجليد تخفي جبالًا وأحواضًا ووديانًا تشكلت قبل ملايين السنين، فيما يواصل العلماء فك شيفرة هذا العالم السري باستخدام الرادار والجاذبية والموجات الزلزالية.
لكن دراسة حديثة نشرت في مجلة «نيتشر جيوساينس» كشفت عن مفاجأة لافتة شبكة من الأحواض الجوفية التي كان يُعتقد أنها معالم منفصلة، تبدو في الحقيقة جزءًا من بنية جيولوجية واحدة هائلة تمتد عبر شرق أنتاركتيكا، وتشبه في شكلها مروحة عملاقة أو كفًا بشرية بأصابع ممدودة.
نحو 30 حوضا تكشف عن «كف» مدفونة
قاد فريق البحث الأستاذ المشارك إيجيديو أرماديلو من جامعة جنوة الإيطالية، وتمكن من تحديد نحو 30 حوضًا جيولوجيًا مترابطًا تنتظم حول منطقة قريبة من القطب الجنوبي.
وعند جمع هذه الأحواض في صورة واحدة، ظهر نمط شعاعي واسع يتسع تدريجيًا باتجاه الساحل، وكأن القشرة الأرضية قد تمددت حول نقطة ارتكاز مركزية.
وأطلق الباحثون على هذه المنطقة اسم «إقليم الأحواض المروحية في شرق أنتاركتيكا»، وتضم معالم جيولوجية بارزة، من بينها حوضا ويلكس وأورورا، إضافة إلى المنطقة التي تقع أسفل بحيرة فوستوك، أكبر بحيرة معروفة تحت الجليد على الأرض.
واللافت أن معظم هذه المعالم كانت معروفة للعلماء من قبل، لكن الجديد هو اكتشاف العلاقة التي تربطها جميعا ضمن منظومة جيولوجية واحدة.
مروحة عملاقة تشكلت بفعل حركة القشرة
لم يكن الوصول إلى هذا الاستنتاج أمرا بسيطا؛ فقد جمع العلماء كميات ضخمة من البيانات التي تراكمت على مدى عقود، شملت خرائط تضاريس ما تحت الجليد، وقياسات الجاذبية والمجال المغناطيسي، وبيانات الرادار والموجات الزلزالية، إلى جانب نماذج لبنية القشرة والغلاف الصخري.
وأظهرت هذه البيانات أن الأحواض لا تتوزع بصورة عشوائية، بل تمتد من منطقة مركزية إلى الخارج في نمط شعاعي متماسك.
ويرجح العلماء أن هذه الهندسة نشأت نتيجة عملية تكتونية عميقة تعرف باسم «التمدد الدوراني الموزع»، حيث تتمدد القشرة تدريجيًا بعيدًا عن نقطة مركزية، بدلًا من حدوث التشوه على طول صدع واحد.
ولتوضيح الفكرة، يشبه الباحثون العملية بفتح مروحة يدوية؛ إذ تعمل منطقة معينة كنقطة ارتكاز، بينما تتحرك أجزاء القشرة إلى الخارج، فتتكون بينها أحواض تشبه المساحات الفاصلة بين أصابع اليد.
تشبيه «الكف البشرية» يشرح اللغز
لم يكتف العلماء بتشبيه البنية بالمروحة، بل وجدوا أن شكلها يقترب أيضًا من كف بشرية ممدودة الأصابع ففي هذا التصور، تمثل منطقة الرسغ تقريبًا موقع القطب الجنوبي، بينما تشبه السلاسل الجبلية أصابع اليد، وتظهر الأحواض الجوفية كالمساحات الواقعة بينها.
ويرى الباحثون أن هذا التشبيه يساعد على فهم البنية المعقدة التي ظلت مخفية تحت الجليد لملايين السنين.
وتعززت الفرضية من خلال أدلة جيوفيزيائية متعددة؛ إذ كشفت بيانات الجاذبية والمغناطيسية عن حدود جيولوجية رئيسية، بينما أشارت البيانات الزلزالية إلى وجود قشرة أكثر رقة أسفل عدد من الأحواض الكبرى.
سر قديم يعود إلى «غوندوانا»
لا تتوقف أهمية الاكتشاف عند شكل القارة اليوم، إذ قد يحمل في داخله فصلًا من تاريخ القارة العظمى غوندوانا قبل تفككها ويعتقد الباحثون أن البنية المروحية ربما تشكلت عبر مراحل تكتونية متعاقبة سبقت تفكك غوندوانا، وربما ساعدت لاحقًا في تحديد مناطق الضعف التي استغلتها عمليات التصدع عندما انفصلت أنتاركتيكا عن أستراليا.
وتشير بعض الأدلة إلى وجود تشابه بين التراكيب الموجودة تحت شرق أنتاركتيكا ومناطق التصدع الأصغر سنًا في المحيط الواقع بين القارة القطبية الجنوبية وأستراليا، وهو ما قد يعني أن البنية القديمة تركت بصمتها على عملية الانفصال القاري.
أنتاركتيكا قارة ما زالت تخفي مفاجآتها
تظل القارة القطبية الجنوبية واحدة من أكثر مناطق الأرض غموضًا وصعوبة في الاستكشاف. فمعظم تاريخها الجيولوجي لا يمكن الوصول إليه مباشرة، بسبب الغطاء الجليدي الهائل الذي يخفي تضاريسها الحقيقية.
ولهذا، فإن اكتشاف «إقليم الأحواض المروحية» لا يمثل مجرد العثور على تضاريس جديدة، بل يقدم طريقة مختلفة للنظر إلى معالم كانت معروفة منذ سنوات، من خلال اكتشاف العلاقة التي تجمعها.
