في ذكرى المولد النبوي الشريف، تتجدد سيرة النبي محمد ﷺ بوصفها مصدرًا لقيم إنسانية تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتستعيد معها المجتمعات معاني الرحمة والعدل والتسامح والإحسان. وفي وقت يواجه فيه العالم أزمات وصراعات متشابكة، تبرز الحاجة إلى استلهام الهدي النبوي باعتباره نموذجًا في بناء الإنسان وصون كرامته وإعلاء قيمة التراحم بين البشر.
ومن قلب احتفالية المولد النبوي الشريف، جاءت كلمة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، لتضع السيرة النبوية في سياق الواقع المعاصر، مؤكدًا أن رسالة النبي ﷺ أسهمت في بناء الحضارة الإنسانية على أسس العدل والحرية والمساواة، وأن الاقتداء به لا ينبغي أن يقتصر على الاحتفال بذكرى مولده، بل يجب أن يتحول إلى سلوك وممارسة في حياة الأفراد والمجتمعات.
شيخ الأزهر: رسالة النبي أضاءت الوجود وأقامت حضارة الإنسان على العدل والحرية والمساواة
تقدم إلى العالمين العربي والإسلامي، شعوبًا وملوكًا ورؤساءً وأمراءً وسلاطين، بمناسبة حلول ذكرى مولد خير الناس وأرحمهم، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى إخوانه من الأنبياء والمرسلين.
المولد النبوي الشريف
وأكد أن هذه المناسبة تمثل ذكرى عظيمة لميلاد النبي الكريم، الذي حمل رسالة إلهية أسهمت في بناء حضارة الإنسان وتأسيسها على مبادئ العدل والحرية والمساواة.
وقال إن الاحتفال بمولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا يقتصر على استحضار ذكرى ميلاد شخصية عظيمة، وإنما هو احتفاء بالنبوة والوحي الإلهي، وبالكمال الإنساني في أرفع درجاته، وما جسده الرسول الكريم من قيم الرحمة والخير والحق.
وأضاف أن ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم تأتي في وقت لا يزال فيه العالم، شرقًا وغربًا، في حاجة إلى النور والهدي الذي جاء به النبي الكريم، مشيرًا إلى أن رسالته أضاءت الوجود بعد ظلمات طويلة، وأرست مبادئ إنسانية أسهمت في بناء الحضارة.
أزمات وصراعات وتحديات
وأشار إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء برسالة رحمة وسلام وعدل، وأن عالمنا المعاصر بات أحوج ما يكون إلى استلهام هديه والاقتداء بأخلاقه وسيرته، في ظل ما يشهده العالم من أزمات وصراعات وتحديات إنسانية وأخلاقية.
واختتم كلمته بالدعاء بأن يعيد الله هذه المناسبة المباركة على مصر وشعبها، وعلى الأمتين العربية والإسلامية، والبشرية جمعاء، بالخير والأمن والسلام والاستقرار، وأن تكون ذكرى مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم فاتحة خير وبركة ورحمة على العالم أجمع.
شيخ الأزهر: ما أشبه عالم اليوم بالأمس.. والبشرية أحوج ما تكون إلى هدي النبي
قال إن العالم وقت بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم كان يعيش حالة من الصراع والانقسام، حيث كانت الدنيا تتقاسمها حضارتان متصارعتان، هما حضارة الأكاسرة في الشرق وحضارة القياصرة في الغرب.
الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف
وأوضح أن العلاقة بين هاتين القوتين كانت تحكمها أعراف وشرائع تقوم على منطق القوة وإخضاع الجار، بحيث يبدأ أحد الطرفين بالحرب متى استطاع، أو يبادر الطرف الآخر بالحرب متى سنحت له الفرصة، مشيرًا إلى أن هذه السياسة كانت في أشد صورها في تعامل الدولتين مع بلاد المسلمين.
وأشار إلى أن الدولة الإسلامية الوليدة استطاعت، خلال سنوات قليلة، أن تواجه هاتين القوتين الكبيرتين، لافتًا إلى أن صفحات التاريخ تسجل هزيمة الدولتين أمام الدولة الوليدة، وهو ما أكده المفكر والأديب عباس محمود العقاد في كتاباته التاريخية.
وأضاف: «ما أشبه اليوم بالأمس، وما أشبه عالمنا المعاصر اليوم بعالم الأمس يوم بعث هذا النبي الكريم»، مؤكدًا أن العالم في الوقت الراهن في أشد الحاجة إلى هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
الهدي النبوي لإنقاذها
وأكد أن البشرية تحتاج إلى الهدي النبوي لإنقاذها مما غرقت فيه من العلل والأمراض النفسية والاجتماعية والآفات الخلقية، وما ترتب عليها من أزمات واضطرابات وصراعات.
ولفت إلى أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن رسالة عابرة، وإنما جاءت لتعيد بناء الإنسان والمجتمع على أسس من الرحمة والعدل والقيم والأخلاق، وهو ما يجعل استحضار سيرته وهديه ضرورة في مواجهة الأزمات التي يعيشها العالم المعاصر.
أخطر ما يواجه الإنسان
وشدد على أن أخطر ما يواجه الإنسان في العصر الحديث هو فقدان قيمة الرحمة والتراحم بين البشر، مؤكدًا أن العالم بحاجة إلى استعادة هذه القيمة التي كانت من أبرز سمات الرسالة المحمدية، والتي جعلت من الرحمة أساسًا للعلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان.
كان خلقه القرآن.. شيخ الأزهر: النبي ضرب أروع نموذج في التراحم ومكارم الأخلاق
أكد أن فقدان قيمة العمل والتراحم بين البشر يمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه الإنسان في العصر الحديث، وما ترتب على ذلك من أزمات اقتصادية واضطرابات سياسية وتوترات وصراعات ومنغصات في الحياة.
الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف
وقال إن قيمة التراحم بين البشر كانت من أبرز خصائص النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مشيرًا إلى أن الله سبحانه وتعالى أثنى على أخلاق النبي الكريم في القرآن الكريم، فقال تعالى: «وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ».
وأوضح أن العلماء توقفوا طويلًا أمام هذه الآية الكريمة، واستخلصوا منها دروسًا عميقة حول تفرد النبي صلى الله عليه وسلم بأخلاق رفيعة لم تعرف لغيره من البشر.
وأضاف أن أول ما تنبه إليه العلماء من دلالة الآية أن عظمة أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم عظمة واسعة مطلقة لا تعرف حدودًا أو قيودًا، مؤكدًا أن سعة الصفة تقتضي بالضرورة سعة ما وُصفت به.
وأشار إلى أن السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وكانت من أعلم الناس بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وأحواله، وصفت خلقه بقولها: «كان خُلُقُه القرآن»، وفي رواية: «كان خُلُقُه القرآن، يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه».
مدى ارتباط حياة النبي
وأكد أن هذه الشهادة من السيدة عائشة رضي الله عنها تكشف عن مدى ارتباط حياة النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم، فلم تكن أخلاقه مجرد مبادئ نظرية، وإنما كانت ترجمة عملية للقيم التي دعا إليها القرآن من الرحمة والعدل والتسامح والإحسان.
أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم
ولفت إلى أن استحضار أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم في ذكرى مولده يمثل فرصة للتأمل في القيم التي يحتاج إليها الإنسان والمجتمع في الوقت الراهن، خاصة في ظل ما يشهده العالم من أزمات وصراعات وتراجع في منظومة القيم الإنسانية.
وشدد على أن الاقتداء بالنبي الكريم لا يكون بمجرد الاحتفال بذكرى مولده، وإنما بتحويل أخلاقه وسيرته إلى سلوك عملي في حياة الناس، بما يسهم في نشر الرحمة والتراحم والتعاون وإعلاء قيم الأخلاق بين أفراد المجتمع.
شيخ الأزهر: الحرب في الإسلام «خيار اضطراري».. والنبي أوصى بعدم تمني لقاء العدو
أكد أن الحرب في الشريعة الإسلامية لا تكون غاية في ذاتها، وإنما تأتي في إطار الضرورة ودفع الاعتداء، مشددًا على أن الأصل هو تجنب القتال قدر الإمكان.
الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف
وقال إن الحرب إذا انحصرت مشروعيتها في دفع الاعتداء، فإنها تصبح في شريعة الإسلام وشرائع الأديان، بل وفي شرائع الضمير الإنساني، من باب الضرورات التي ينبغي تجنبها ما أمكن.
واستشهد بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية»، مؤكدًا أن هذا التوجيه النبوي يعكس موقف الإسلام من الحرب باعتبارها أمرًا لا ينبغي السعي إليه أو التطلع إليه.
وأوضح أنه إذا عزم المسلمون على خوض الحرب، فإن الواجب عليهم شرعًا ألا يبدأوا بقتال الأعداء قبل عرض خيارات واضحة عليهم، مشيرًا إلى ما ورد في وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل، وكان قائدًا في إحدى المعارك.
الإنصاف والعدل ومراعاة حقوق الطرف الآخر
وأضاف أن هذه الوصية تمثل نموذجًا فريدًا في تاريخ الحروب من حيث الإنصاف والعدل ومراعاة حقوق الطرف الآخر، حتى وإن كان من الأعداء المقاتلين.
وأشار إلى أن هذه التوجيهات النبوية تؤكد أن الإسلام وضع ضوابط أخلاقية للقتال، ولم يجعل الحرب بابًا مفتوحًا للانتقام أو الاعتداء، وإنما قيدها بالضرورة والعدل ومراعاة حقوق الإنسان.
وشدد على أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تقدم نموذجًا واضحًا في التعامل مع الخصوم، حيث لم تكن القوة العسكرية منفصلة عن القيم والأخلاق، بل ظلت محكومة بمبادئ العدل والرحمة وعدم الاعتداء.
المبادئ النبوية في ذكرى المولد الشريف
واختتم بالتأكيد على أن استحضار هذه المبادئ النبوية في ذكرى المولد الشريف يمثل رسالة مهمة للعالم المعاصر، في ظل ما يشهده من صراعات وحروب، للتأكيد على أن السلام هو الأصل، وأن اللجوء إلى الحرب لا يكون إلا عند الضرورة وبضوابط تحفظ كرامة الإنسان وحقوقه.




