مع اقتراب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة، تتجه الأنظار إلى ملف التعاون الاقتصادي والصناعي بين البلدين، خاصة في القطاعات التي تمثل مستقبل الصناعة العالمية، وفي مقدمتها السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
فالزيارة، التي تعد الأولى للرئيس الصيني إلى مصر منذ نحو 10 سنوات، تأتي في توقيت تسعى فيه القاهرة إلى الانتقال من مرحلة جذب الاستثمارات التقليدية إلى مرحلة أكثر طموحًا تقوم على توطين التكنولوجيا وتعميق التصنيع المحلي وربط الصناعة المصرية بسلاسل الإمداد العالمية.
وتبدو الصين شريكًا مثاليًا لهذا التحول، ليس فقط باعتبارها واحدة من أكبر القوى الصناعية في العالم، وإنما لامتلاكها خبرات متقدمة في الصناعات الخضراء، من السيارات الكهربائية إلى بطاريات التخزين والألواح الشمسية وتوربينات الرياح.
السيارات الكهربائية.. من التجميع إلى الصناعة
تضع مصر صناعة السيارات الكهربائية ضمن القطاعات ذات الأولوية في خطتها الصناعية، بينما تمثل الصين أكبر قاعدة إنتاج عالمية للسيارات الكهربائية ومكوناتها، وهو ما يفتح الباب أمام شراكات تتجاوز استيراد السيارات الجاهزة إلى إنشاء منظومة تصنيع متكاملة داخل السوق المصرية.
وخلال العامين الماضيين، تحركت القاهرة بشكل واضح لجذب الشركات الصينية للاستثمار في هذا القطاع، حيث أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي أهمية إقامة مصانع للسيارات الكهربائية داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، مع التركيز على تصنيع المكونات المرتبطة بها محليًا.
كما شهد عام 2026 مباحثات متقدمة بين الجانبين المصري والصيني بشأن التعاون في صناعات المركبات الكهربائية والبطاريات والروبوتات الصناعية، في إطار الاستعداد للاستفادة من زيارة الرئيس الصيني ودفع المشروعات ذات الأولوية.
ولا تقتصر الفرصة أمام مصر على تجميع السيارات، بل تمتد إلى توطين سلسلة القيمة كاملة، بداية من الهياكل والمكونات المعدنية والبلاستيكية، مرورًا بالمحركات الكهربائية وأنظمة التحكم الإلكترونية، وصولًا إلى البطاريات ومحطات الشحن.
وتبرز أهمية هذا التوجه في قدرة مصر على التحول إلى مركز إنتاج إقليمي يخدم السوق المحلية والأسواق الأفريقية والعربية، خاصة مع موقعها الجغرافي واتفاقياتها التجارية والبنية التحتية التي شهدت توسعًا كبيرًا خلال السنوات الماضية.
وتشير التحركات الأخيرة إلى اهتمام شركات صينية بتطوير صناعة السيارات في مصر، من بينها مشروع مقترح لإقامة مجمع صناعي متخصص في معدات وخطوط إنتاج السيارات باستثمارات أولية تبلغ نحو 20 مليون دولار، مع خطط للتوسع مستقبلًا.
لكن التحدي الحقيقي أمام مصر يتمثل في الانتقال من نموذج «التجميع» إلى نموذج «التصنيع»، بحيث ترتفع نسبة المكون المحلي تدريجيًا، وتدخل المصانع المصرية في إنتاج أجزاء السيارات الكهربائية التي يمكن تصديرها إلى مصانع أخرى حول العالم.
البطاريات.. قلب الصناعة الجديدة
إذا كانت السيارات الكهربائية تمثل المنتج النهائي، فإن البطاريات تمثل القلب الحقيقي لهذه الصناعة.
وتسعى مصر إلى جذب استثمارات صينية في تصنيع خلايا وأنظمة تخزين الطاقة، ليس فقط لخدمة قطاع السيارات الكهربائية، وإنما لدعم التوسع الكبير في مشروعات الطاقة المتجددة.
وفي يناير 2026، شهدت مصر توقيع اتفاقيات لمشروعات متكاملة في الطاقة المتجددة والتصنيع المحلي لمكوناتها باستثمارات تتجاوز 1.8 مليار دولار، من بينها مشروع لشركة Sungrow الصينية لإنشاء مصنع لتصنيع بطاريات تخزين الطاقة داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
كما تم الإعلان عن اتفاق مصري صيني بقيمة 200 مليون دولار لتوطين تصنيع بطاريات تخزين الطاقة، في خطوة تعكس تحولًا واضحًا في طبيعة التعاون من استيراد المعدات إلى نقل التكنولوجيا والتصنيع المحلي.
وتتزايد أهمية هذا القطاع مع توسع مصر في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إذ تحتاج الشبكة الكهربائية إلى أنظمة تخزين قادرة على الاحتفاظ بالطاقة المنتجة واستخدامها في أوقات ارتفاع الطلب.
وفي أغسطس 2026، وُضع حجر الأساس لمصنع تابع لشركة Sungrow الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس باستثمارات تبلغ 50 مليون دولار وطاقة إنتاجية مستهدفة تصل إلى 10 جيجاوات/ساعة سنويًا، على أن يبدأ الإنتاج في أبريل 2027، بحسب البيانات الرسمية المصرية.
وتفتح صناعة البطاريات أمام مصر سوقًا جديدة ذات قيمة مضافة مرتفعة، لكنها تحتاج إلى استراتيجية صناعية متكاملة تشمل تصنيع الخلايا وأنظمة الإدارة والتجميع وإعادة التدوير، إلى جانب تأهيل العمالة والمهندسين القادرين على التعامل مع هذه التكنولوجيا المتقدمة.
الطاقة الشمسية والرياح.. فرصة لتصنيع المعدات
لا تقل أهمية قطاع الطاقة المتجددة عن صناعة السيارات والبطاريات، خصوصًا مع امتلاك مصر إمكانات طبيعية كبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
لكن الهدف المصري لم يعد يقتصر على إنتاج الكهرباء النظيفة، بل يتجه نحو تصنيع المعدات المستخدمة في إنتاجها.
وتشمل قائمة الفرص التي يمكن أن تمثل محورًا للتعاون المصري الصيني تصنيع الألواح الشمسية، والعاكسات الكهربائية، وأنظمة التحكم، وكابلات الطاقة، والهياكل المعدنية، إلى جانب مكونات توربينات الرياح.
وتؤكد الحكومة المصرية أن توطين الصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة أصبح أحد ركائز تحقيق أمن الطاقة والتحول الأخضر، خاصة مع زيادة الاعتماد على المصادر المتجددة داخل مزيج الكهرباء.
وكانت المباحثات بين مصر وعدد من الشركات الصينية المتخصصة في الطاقة النظيفة قد ركزت خلال الفترة الماضية على توطين تصنيع معدات الطاقة الشمسية وبطاريات التخزين ونقل التكنولوجيا إلى السوق المصرية.
وتكتسب المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أهمية خاصة في هذه المعادلة، باعتبارها منصة يمكن من خلالها تصنيع المعدات وتصديرها إلى أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا.
نقل التكنولوجيا.. الاختبار الحقيقي للشراكة
المعادلة التي تسعى إليها مصر في التعاون مع الصين لم تعد قائمة على جذب الاستثمارات فقط، وإنما على سؤال أكثر أهمية: ما حجم التكنولوجيا التي ستنتقل إلى الداخل المصري؟
فالاستثمار الحقيقي لا يقاس فقط بقيمة رأس المال، وإنما بعدد خطوط الإنتاج التي يتم توطينها، ونسبة المكون المحلي، وحجم المعرفة التي تنتقل إلى العمالة المصرية، وقدرة المصانع على تطوير منتجاتها مستقبلًا.
ولهذا تبدو الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني فرصة لإعادة صياغة الشراكة الصناعية بين البلدين على أساس أكثر عمقًا، من خلال ربط الحوافز الاستثمارية بمستهدفات واضحة للتصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا والتدريب والبحث والتطوير.
وتحتاج مصر إلى شراكات تضمن إنشاء مراكز للبحث والتطوير، وبرامج لتأهيل المهندسين والفنيين، وربط الجامعات ومراكز البحوث بالمصانع الجديدة، حتى لا تظل التكنولوجيا «صندوقًا مغلقًا» يتم استيراده وتشغيله فقط.
كما أن التعاون بين القاهرة وبكين يمكن أن يمتد إلى إنشاء مجمعات صناعية متخصصة، تضم مصنع السيارة ومصنع البطاريات ومصانع المكونات ومراكز الاختبارات، بما يسمح بتكوين تجمعات صناعية متكاملة بدلاً من مشروعات منفصلة.
من السوق المحلية إلى بوابة أفريقيا
تمثل السوق الأفريقية أحد أهم عناصر الجذب في الشراكة المصرية الصينية.
فالصين تمتلك التكنولوجيا والقدرات الإنتاجية الضخمة، بينما تمتلك مصر موقعًا جغرافيًا واتفاقيات تجارية تجعلها قادرة على أن تكون منصة تصنيع وتصدير إلى القارة.
كما بدأت مصر رسميًا الاستفادة من مبادرة صينية تمنح إعفاءً جمركيًا كاملًا للواردات الأفريقية من الدول ذات العلاقات الدبلوماسية مع بكين، وهو ما يضيف بعدًا جديدًا للعلاقات التجارية بين الجانبين.
وبالتالي، فإن نجاح مصر في جذب مصانع صينية للسيارات الكهربائية والبطاريات ومعدات الطاقة الجديدة يمكن أن يحولها من سوق مستهلكة للتكنولوجيا إلى قاعدة صناعية إقليمية.
شراكة جديدة عنوانها الصناعة
الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني إلى القاهرة تأتي بينما يتجاوز حجم الاستثمارات الصينية المستهدفة والقائمة في مصر مليارات الدولارات، وتتسع خريطة التعاون لتشمل الصناعات الثقيلة والطاقة النظيفة والنقل والتكنولوجيا.
لكن الرهان الأكبر خلال المرحلة المقبلة سيكون على نوعية الاستثمارات، وليس حجمها فقط.
فمصر تحتاج إلى مصانع تنتج وتصدر، ومراكز أبحاث تطور، وعمالة تتعلم التكنولوجيا الجديدة، وسلاسل توريد محلية تغذي الصناعات الكبرى.
وفي المقابل، تحتاج الشركات الصينية إلى بوابة مستقرة وقريبة من الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية.
ومن هنا، قد تمثل زيارة الرئيس الصيني نقطة انطلاق لمرحلة جديدة عنوانها «التصنيع المشترك»، حيث لا تكون مصر مجرد سوق للمنتجات الصينية، بل شريكًا في صناعتها وتطويرها وتصديرها.
السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة الشمسية والرياح ليست مجرد قطاعات اقتصادية جديدة، وإنما تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة مصر على تحويل الشراكة مع الصين من استثمارات عابرة إلى قاعدة صناعية طويلة الأجل، تضع القاهرة على خريطة اقتصاد الطاقة والتكنولوجيا في المنطقة.



