تستقر الأحاسيس الدافئة في مرفأ القلوب لتسكن إليها النفوس المتعبة، محاطةً بالسكينة والهدوء، ومجددةً نبض الأمل بأسلوب يستشعره مكنون الوجدان قبل تلافيف العقل؛ فتورث تلك العاطفة النبيلة المرء قوةً تمزج العزيمة بالثبات، وتفتح أمامه مساراتٍ يواجه بها مصاعب دنيانا بكل صمودٍ، ليبقى هذا الملاذ موطنًا هادئًا يبعث أطياف الارتياح في أعماق الروح الإنسانية كلما أثقلتها أعباء الحياة ومتاعب السنين الممتدة.
يتسامى صراع النفس في رحاب العاطفة النبيلة إلى أمل ممتد يضيء دياجير الظلام، ليجد السائرون في مرفأ القلوب ملاذًا دافئًا يلمس الوجدان، ويستقر بين الأرواح، فالود الممزوج بالمحبة يرمم زوايا الخاطر المنكسر، ويعيد ترتيب بعثرة المشاعر، ليغرس السكون والهناء في الفؤاد، ويهبه دفء الطمأنينة.
ينساب الود في أروقة الأنفس قبسًا يضيء عتمة الأرواح، ويشرع المغاليق أمام ذخائر إنسانية نفيسة تفيض روعةً لتبعث الحياة في الدلالات الغائبة، وتغمر التفاصيل بفيض نبلها، فترسي المشاعر الصادقة في ملاذات القلوب العطشى لتبلغ مأمنها المشتهى، وتستقر الطمأنينة على ضفاف النفوس نائيةً بها عن هجير الحياة وضجيجها، حيث تتسامى الأحاسيس الرقيقة بلمساتها الحانية، غارسةً في الأغوار شذًا طيّبًا يمتد عبيره.
يستقر السكون في أعماق المحبة ملاذًا يلمس الروح ويخاطب الوجدان؛ فالأنفس حين تهدأ تكتشف أن صخب التعب يذوب أمام الطمأنينة الصافية، ليصل السالك إلى شاطئ النجاة وتستريح المشاعر من عناء المسير، وتنجلي ظلمات المعاناة لتفسح المجال أمام نور يملأ الزوايا سكينة، فيستشعر الفؤاد دفق السلام الذي يعيد ترتيب شتاته، ويمحو قسوة الأيام بلمسة حانية دائمة، لتتكامل معالم الرضا في كيانه.
تتسع أروقة المودة حين ترهق السالكين دروبُ العيش؛ لتغدو صرحًا يرمم ما أفسده جفاف الأيام، وتتسلل أطياف الرحمة إلى عمق السرائر؛ كي تستقر بين الحنايا بلطف يمسح أثر المواجع، هناك تتوارى الأوجاع شيئًا فشيئًا فتشرق في الأفئدة سكينةٌ تستبدل بالقسوةِ أمانًا، وتستحيل بها جراح قديمة تركتها نوازل الدهر أملًا يضيء الطريق، في حين تتهاوى قسوة اللحظات عند أعتاب القلوب التي يغمرها اللين.
تنحسر قسوة الأيام أمام دفء اللقاء في موطن الأحبة الأوفياء؛ فيزول الشعور بالعزلة القاسية لتستقر النفس بين أطياف الاستقرار، إذ يلمس الوداد شغاف الروح بلطفٍ ينشئ بين الأفئدة مأمنًا رقيقًا؛ فيتحول الحنان أمانًا تغمر بهجتُه السطوح والدروب، ملهمةً المسافر التائه أن يضع أثقاله ليستريح أخيرًا في مرفأ القلوب.
تأتلف النفوس حين تلامس الكلمة الدافئة؛ فتجد في أفيائها حِصْنًا يقيها جفوة الزمان؛ إذ تخلق الكلمات الرقراقة درعًا يحمي الفؤاد من عثرات الممشى، ووشاحًا يسبغ الدفء في مهاب الرياح، ليغدو هذا المرفأ حضنًا آمنًا يرمم ما انكسر من أمل وتَمَنٍّ، ويستعيد به المرء توازنه ليمضي في دروب الحياة بثباتٍ ملتمسًا السكينة التي تنير دربه وتحفظ عليه صفاء قلبه.
تجد النفوس سكونها في نقاء السريرة؛ لتبقى العهود النابعة من عمق الوجدان عصية على غياهب النكران أو طيف النسيان، صانعة للمرء أمانًا يأوي إليه كلما تفاقمت الكروب؛ فيكتشف أن هذا المرفأ الدافئ يحمي الروح من تقلبات الزمان، ليستعيد توازنه ويمضي في دربه برضا ملتمسًا الوَدَاعة التي تنير طريقه وتحفظ عليه نبل المشاعر وطهارة القلب، ليغدو الأثر الطيب مأمنًا دافئًا يرافق خطواته.
ينبض الوجدان بشغف أثير يتسامى على حدود الكلمات، فيستحيل الشوق إلى نبضات تفيء إلى مرسى القلوب؛ كي تستريح من عناء الحياة، وهناك تنعقد النوايا الصافية لترسم أسمى صور التآلف الإنساني، حين يستحيل العطاء الخالص لغةً تفهمها النفوس بلا تكلّف، فتتلاقى الأرواح في هدأة غامرة، وتغرس التضحية بسخاء معنى جليلًا تدركه القلوب البصيرة.
تتحول هبة العطاء إلى سكنٍ دافئ السكنات، تستقبل الأرواح المنهكة كي ترمم ما أفسده الجفاء، وتنسج من خالص الوداد سكينة تطمئن بها النفوس، فكلما بذلت اليد الخير دون انتظارِ مقابلٍ؛ أزهرت في الأعماق طمأنينة لا تذبل، ليغدو هذا السخاء بمثابة مرفأ القلوب الذي تأوي إليه الأرواح، بحثًا عن الدفء والأمان والسلام الداخليّ.
تسري المحبة في الأرواح كنسيم هادئ يداوي كدر الأيام، وتخط للمشاعر حِمًى آمنًا تسكن إليه النفوس حين تشتد الحيرة، ليصير السخاء الخالص بين البشر نبعًا يروي الأمل، ويسبغ على الحياة دفئًا يستقر في الأعماق، فالقلوب التي تألف الود تجد في طريقها خيرًا ينعكس على حاضرها، ويزهر في دروب غدها أثرًا جميلًا يستمر مدى حياتها الممنوحة لها.
تتحقق الطمأنينة حين يلقى المرءُ من يشاطره مشقةَ المسير؛ فتتضاءل وطأة الأيام أمام رفيقٍ يشد أزره ويمنحه أمانًا يلتجئ إليه، إذ يكمن سر القوة في دفء المودة وصدق المشاعر التي تمنح الحياة سكونها، لتبدو المعاشرة الطيبة ملاذًا حانيًا تنبض فيه أنفاس الوداد، ويغدو الوجود أكثر اتساعًا وجمالًا كلما آوت القلوب إلى مرفئها الذي تلجأ إليه عند اشتداد الخطوب.
يجري الود بين بني البشر فيصوغ ملامح التآزر الإنساني، ويهب الأنفس راحةً وطمأنينة، ليغدو ملتقى الأرواح حِمًى آمنًا يمتزج فيه الأمل بالدفء، فتأتلف النفوس في نسق قِيَمِيّ يُعلي الرحمة، ويغرس التكاتف في أرجاء المجتمع، ليتسق أثر المودة في صناعة الخير للوطن والبشرية قاطبةً، مساهمًا في تشييد حضارة تتأسس أركانها على التراحم والسلام.
د. عصام محمد عبد القادر يكتب: مرفأ القلوب