كيف لطالب حصل على أكثر من 97% في الثانوية العامة، وتفوق طوال سنوات دراسته، أن يجد نفسه حتى الآن بلا كلية، بينما لم يتبقَّ على بداية العام الدراسي سوى أيام قليلة؟.
هذه ليست حالة فردية، وإنما أزمة يعيشها عدد من طلاب مدارس STEM للمتفوقين في العلوم والتكنولوجيا، الذين خاضوا منذ البداية مسارًا تعليميًا مختلفًا عن أقرانهم؛ فقد كانوا من المتفوقين في الشهادة الإعدادية، واجتازوا اختبارات شديدة الصعوبة حتى يتمكنوا من الالتحاق بهذه المدارس.
وعلى مدار ثلاث سنوات، لم يكن التفوق بالنسبة إليهم مجرد الحصول على درجات مرتفعة، وإنما كان رحلة يومية من البحث والتجربة والمشروعات والعمل الجماعي والتطبيق العملي. لم تعتمد دراستهم على الكتاب المدرسي التقليدي وحده، بل كان البحث العلمي جزءًا أساسيًا من تكوينهم، حتى تمكن بعضهم من التأهل للمشاركة في مسابقات علمية دولية وتحقيق مراكز متقدمة.
وفي المقابل، تحمل آخرون مشقة الاغتراب والابتعاد عن أسرهم وأصدقائهم، وقضوا سنوات الدراسة بعيدًا عن منازلهم، مؤمنين بأن هذا الطريق سيقودهم في النهاية إلى تخصص جامعي يتناسب مع قدراتهم وما اكتسبوه من مهارات علمية وبحثية.
لكن بعد كل هذا الجهد، يجد بعض هؤلاء الطلاب أنفسهم أمام عقبة لم تكن في حساباتهم: قواعد التوزيع الجغرافي، التي قد تحول بينهم وبين الكلية أو التخصص الذي يتناسب مع طبيعة دراستهم وتفوقهم.
وهنا لا يتعلق الأمر برغبة طالب في تجاوز القواعد أو الحصول على استثناء لمجرد ارتفاع مجموعه، وإنما يطرح مشكلة تستحق النقاش: هل تراعي قواعد القبول والتوزيع الحالية الطبيعة الخاصة لطلاب مدارس STEM ومسارهم التعليمي المختلف؟.
فالطالب الذي أمضى ثلاث سنوات في بيئة تعليمية تقوم على البحث العلمي والمشروعات والتطبيق العملي، ثم حقق مجموعًا يتجاوز 97%، لا يبحث فقط عن مقعد جامعي، وإنما عن فرصة لاستكمال المسار الذي بدأه منذ دخوله مدرسة STEM.
ولذلك فإن مراجعة آليات القبول والتوزيع الخاصة بهذه الفئة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مطالبة بميزة على حساب بقية الطلاب، وإنما باعتبارها بحثًا عن صيغة تحقق العدالة وتراعي خصوصية المسار التعليمي الذي اختارته الدولة لتأهيل هؤلاء الطلاب.
تعالوا نتخيل معًا أثر هذه التجربة على طالب في عمر تتشكل فيه شخصيته وتتحدد رؤيته للمستقبل. ماذا سيشعر عندما يجد أن سنوات الاجتهاد والبحث والعمل المتواصل لم تضمن له حتى الآن فرصة عادلة للالتحاق بالتخصص الذي حلم به؟.
وهل سيظل حب العلم والبحث والابتكار أولوية في حياته؟ وهل سيظل التفاني والاجتهاد منهجًا يؤمن به، أم يبدأ في الاعتقاد بأن التفوق وحده لا يكفي، وأن الطريق إلى المستقبل تحكمه أحيانًا قواعد لا تراعي خصوصية تجربته؟.
نحن لا نتحدث فقط عن تنسيق جامعي أو مقعد في كلية، وإنما عن رسالة تصل إلى جيل كامل من الطلاب: ماذا نقول لمن اجتهد وتفوق وبحث وابتكر؟
طلاب STEM لم يطلبوا امتيازًا على حساب غيرهم، وإنما يحتاجون إلى قواعد قبول تراعي طبيعة المسار الذي اختارته الدولة لتعليمهم، وتمنحهم فرصة حقيقية لاستكمال الطريق الذي بدأوه بالتفوق والبحث العلمي.
فإذا كنا نطالب أبناءنا بأن يتفوقوا ويجتهدوا ويبحثوا ويبتكروا، فهل من المنطقي أن تكون أول مكافأة لهم بعد كل هذا الجهد هي أن يجدوا أنفسهم عاجزين عن الوصول إلى الكلية التي حلموا بها؟.
السؤال الآن ليس: أين سيلتحق هؤلاء الطلاب؟ بل: كيف نحافظ على إيمانهم بأن التفوق والعلم والابتكار يستحقون كل هذا العناء.