اختيارات المهرجان هي سيرته السرية؛ فمن خلالها تتكون شخصيته، وتتراكم سمعته، ويتحدد موقعه داخل الخريطة السينمائية.
وفي دورته الرابعة، ما زال مهرجان الغردقة لسينما الشباب في مرحلة تتضح فيها ملامحه تدريجيًا.
وتظهر هذه الملامح من خلال ما يضعه في الواجهة، وما يفتحه من مساحات لجيل جديد، والطريقة التي يعيد بها تقديم أعمال من تاريخ السينما داخل سياق معاصر.
وللغردقة عنصر آخر يدخل مبكرًا في الحكاية؛ المدينة نفسها. مدينة صنعت جزءًا كبيرًا من حضورها عبر الصورة، ثم تأتي السينما لتختبر داخلها صورة من نوع آخر؛ صورة تتحول من مشهد إلى معنى.
هكذا صنعت مهرجانات كثيرة شخصياتها عبر الزمن. في كان أصبح العرض جزءًا من صناعة المكانة والحضور، وفي فينيسيا امتزج التاريخ بخصوصية المكان، بينما ارتبط صندانس باكتشاف الأصوات المستقلة، واتخذ روتردام من المغامرة الفنية وتطوير التجارب الجديدة مسارًا يميزه. خلف كل اسم كبير سلسلة من الاختيارات تراكمت حتى صار للمهرجان مزاج يعرفه به صناع السينما والجمهور.
فهوية المهرجان تتكون مما يختاره، والطريقة التي يقدم بها هذا الاختيار إلى العالم.
ومن هذه الزاوية يصبح اختيار فيلم «أحياء أم أموات» لافتتاح الدورة الرابعة خطوة تستحق القراءة. فالواجهة الأولى للمهرجان تذهب هذه المرة إلى فيلم قصير يخرجه آدم حال، وهو في التاسعة عشرة تقريبًا. يجتمع هنا شكل سينمائي يحتاج إلى منصات واسعة للحضور، مع مخرج يبدأ تكوين تجربته، وفي اللحظة الأبرز من أيام المهرجان.
هنا تنتقل كلمة «الشباب» من العنوان إلى الاختيار نفسه.
فالافتتاح جزء من البرمجة، والبرمجة تمنح صاحب التجربة الأولى موقعًا داخل المشهد. وفي عالم المهرجانات يملك هذا النوع من الاختيارات أثرًا يتجاوز دقائق العرض؛ فالمكان الذي يظهر فيه الفيلم والسياق الذي يقدم من خلاله يدخلان لاحقًا في مساره.
ثم تتسع الخريطة. تسعة أفلام في المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة، وسبعة وعشرون فيلمًا قصيرًا من سبع عشرة دولة، إلى جانب اثنين وعشرين فيلمًا في مسابقة الطلبة الدولية، نصفها مصري والنصف الآخر قادم من تجارب وثقافات متعددة.
وتكتسب هذه الأرقام معناها من تركيب البرنامج نفسه؛ فالطالب يدخل مساحة دولية، والفيلم القصير يجد موقعه إلى جوار تجارب أطول، والأعمال المصرية تتحرك وسط أصوات قادمة من بيئات سينمائية مختلفة. هنا يصبح المهرجان مساحة عبور بين البدايات الأولى والمجال المهني الأوسع.
ويجاور هذا التطلع إلى الجديد حضور واضح للذاكرة.
اختيار «الحريف» علامة للدورة في تحية لمحمد خان يضع واحدًا من أكثر المخرجين حساسية تجاه المدينة والشارع والإنسان المصري داخل سياق يتوجه أساسًا إلى أجيال جديدة. خان الذي صنع من التفاصيل اليومية مادة سينمائية كاملة يعود عبر عمل يحمل بصمته في النظر إلى البشر والأماكن، فتدخل تجربته في حوار مع أجيال تبحث بدورها عن لغتها.
فالذاكرة جزء من فعل البرمجة أيضًا. واستحضار عمل أو صاحب تجربة يمنح الماضي موقعًا جديدًا داخل الحاضر، ويضعه أمام جمهور يشاهده من زمن مختلف وبأسئلة مختلفة.
وتأتي موسيقى هاني شنودة لتضيف بعدًا آخر إلى هذه العلاقة. عندها يصبح التكريم فعل قراءة؛ لأنه يحدد ما يستحق العودة إلى التداول، ويمنحه فرصة للحضور داخل سياق جديد.
ثم يدخل المكان بوصفه طرفًا آخر في المعادلة.
المكان في عالم المهرجانات جزء من البرمجة بقدر ما هو جغرافيا. من الليدو في فينيسيا إلى الساحة الكبرى في لوكارنو، صنعت المدن جزءًا من طقوس المشاهدة نفسها، حتى أصبحت الرحلة إلى المهرجان مرتبطة بالمكان بقدر ارتباطها بالأفلام.
والغردقة تملك خصوصية يمكن البناء عليها؛ البحر الأحمر، والحركة الدولية المستمرة، والطبيعة البيئية المميزة. وحين تدخل هذه العناصر في اختيارات المهرجان ومضمونه، تتحول المدينة من خلفية إلى جزء من شخصيته.
ومن هنا تكتسب «الجائزة الخضراء» دلالة خاصة؛ وهي جائزة يخصصها المهرجان للأفلام التي تتناول قضايا البيئة والسياحة البيئية والحفاظ على الموارد الطبيعية. ومع الوقت يمكن أن تتطور هذه الجائزة إلى مسار يرتبط بالغردقة نفسها، حيث تلتقي السينما بالبحر والطبيعة والسياحة، وتتحول خصوصية المكان إلى مادة للحكاية والنقاش وصناعة الفيلم.
عندها يصنع المكان فارقًا في مضمون المهرجان، ويكتسب اسم المدينة معنى سينمائيًا خاصًا به.
وفي الدورة الرابعة ما زال مهرجان الغردقة في عمر يسمح له بتثبيت ملامحه واختبار ما يريد أن يصبح عليه. ففي هذه المرحلة تبدأ التقاليد في التكون، ويظهر أي اختيار يستحق أن يتحول من تجربة عابرة إلى مسار مستمر.
وهنا يصبح مفهوم «الشباب» أوسع من العمر. يمكن أن يكون موقفًا تجاه السينما نفسها؛ فضولًا أمام التجربة، واستعدادًا للمغامرة، ورغبة في التقاط صوت ما زال في طور التكوين ومنحه فرصة للحضور.
هذه هي المساحة التي يستطيع مهرجان الغردقة أن يبني عليها دوراته القادمة؛ اكتشاف الجديد، وتطوير علاقته بالمدينة، وجعل الذاكرة السينمائية حوارًا مستمرًا مع الجيل الذي يتوجه إليه.
بعض المهرجانات تنتهي مع شارة الختام، وبعضها يبدأ بعدها؛ حين يخرج منها عمل جديد وقد تحرك خطوة داخل المشهد، أو يجد صوت مختلف طريقه إلى جمهور أوسع.
فالمهرجان في جوهره فعل اختيار، ومع تكرار الاختيارات تتكون سلطته الثقافية ومكانته داخل حركة السينما.
وفي عامه الرابع ما زال مهرجان الغردقة يكتب الصفحات الأولى من سيرته.
فالعمر يسجل تاريخ البداية؛ والاختيارات تكتب تاريخ المكانة.