أجاب الدكتور علي جمعة، عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر، عن سؤال: “كيف كان النبي يبحث عن الناس ليبلِّغهم دعوة الله؟”.
وقال علي جمعة، في إجابته على السؤال، إن سيدنا رسول الله واصل في السنة الحادية عشرة من البعثة عرض الإسلام على القبائل، رغم أن أكثرها لم يستجب لدعوته، وكان بنو حنيفة من أشد القبائل سوءًا في الرد عليه.
وتابع علي جمعة: عرض سيدنا رسول الله الإسلام على بني عامر بن صعصعة، فحاول بحيرة بن فراس أن يجعل نصرة النبي ﷺ مقابل أن يكون الأمر لقومه من بعده، فكان جوابه حاسمًا: «الْأَمْرُ إِلَى اللَّهِ، يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ».
وفرَّق سيدنا رسول الله بين الدين والمصلحة السياسية؛ فهو يدعو الناس إلى الله والتوحيد والحق، لا يعرض عليهم الدين في مقابل ملك أو سلطان أو مكسب دنيوي.
وأوضح علي جمعة، أن العبادة والعطاء لله لا يقومان على منطق المعاوضة والمصلحة؛ فالمؤمن يعطي ابتغاء وجه الله، لا ليجعل التزامه بالدين طريقًا إلى جاه أو سلطان.
دعوة النبي القبائل إلى الله
واستكمل: لم تقتصر دعوة سيدنا رسول الله على القبائل، بل كان يخاطب الأفراد أيضًا، ومن هؤلاء ضِماد الأزدي، الذي جاء إلى مكة وقد أخبرته قريش أن محمدًا به جنون، وكان ضماد يعالج من ذلك، فأراد أن يعرض عليه العلاج.
واستمع ضماد إلى سيدنا رسول الله وهو يقول: «إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ...»، فطلب منه أن يعيد كلامه ثلاث مرات؛ لأنه أدرك بخبرته أنه ليس كلام كاهن ولا ساحر ولا هذيانًا.
وقاد العلم وصدق القصد ضمادًا إلى معرفة الحق؛ فقد جاء راغبًا في الإصلاح لا في العناد أو التحدي، فلما تبيَّن له صدق سيدنا رسول الله ﷺ؛ آمن به.
كما انتقل سيدنا رسول الله في دعوته إلى شخصية أخرى ذات خبرة باللغة والنقد والأدب، هي الطفيل بن عمرو الدوسي، سيد قومه وأحد أهل الفصاحة والشعر والنقد.
وحاولت قريش أن تحول بين الطفيل وبين سماع سيدنا رسول الله، حتى وضع في أذنيه الكُرْسُف -وهو ما يشبه القطن- حتى لا يسمع القرآن، وغلب طلب الحقيقة التحذيرات التي سمعها الطفيل؛ فلما وصل إليه شيء من القرآن قال في نفسه إنه رجل يعرف حسن الكلام من قبيحه، فلماذا يمنع نفسه من الاستماع والحكم بنفسه؟.
واستمع الطفيل إلى القرآن وتأمله بعقل الناقد والأديب، ثم ذهب إلى سيدنا رسول الله وطلب أن يسمع منه، فكان ذلك سببًا في إسلامه.
وذكر علي جمعة، أن من خصائص القرآن أنه أوسع من إدراك الإنسان الأول له؛ فكلما أعاد المؤمن قراءته والتدبر فيه؛ انفتحت له معانٍ جديدة، بخلاف كلام البشر الذي يظل صاحبه محتاجًا في كثير من الأحيان إلى شرحه واستكمال مراده.
وأشار إلى أن استمرار سيدنا رسول الله في الانتقال بين القبائل والأفراد، مع كثرة الرفض والإيذاء، يصور مقدار المعاناة والبذل والصبر في تبليغ دعوة الله.

