يتجه الدين العام الفرنسي لتسجيل أعلى مستوى له منذ عام 1978 على الأقل، وذلك في ظل تفاقم العجز الضخم في الميزانية قبيل الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل.
فرنسا تغرق في الديون
وتشير توقعات مسؤولي وزارة المالية الفرنسية إلى أن الدين العام في ثاني أكبر اقتصاد في أوروبا سيصل إلى 119.3% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام، وإلى 121.7% بحلول عام 2027، وهي مستويات قياسية لم تشهدها البلاد من قبل، بحسب ما أفادت به صحيفة التليجراف البريطانية.
وسيؤدي هذا الارتفاع إلى مضاعفة الدين العام الفرنسي لأكثر من مرتين مقارنة بالحد الأقصى الذي يفرضه الاتحاد الأوروبي (60% من الناتج المحلي الإجمالي)، وذلك في وقت تستعد فيه البلاد لاختيار خلف للرئيس إيمانويل ماكرون.
وصرحت مصادر في الوزارة لوسائل إعلام فرنسية خلال عطلة نهاية الأسبوع بأن ارتفاع الدين الوطني أصبح "تلقائياً" نتيجة لاستمرار العجز عند مستويات مرتفعة.
وتتوقع الوزارة أن تنهي العام بعجز في الميزانية نسبته 5.4%، ارتفاعاً من 5.1% في عام 2025، في ظل مواجهة فرنسا لتكاليف اقتراض متصاعدة.
وقالت شارلوت دي مونبلييه، الخبيرة الاقتصادية في بنك "آي إن جي" (ING): "هذا يجعل فرنسا أكثر عرضة لارتفاع تكاليف إعادة التمويل؛ فقد ارتفع سعر الفائدة الضمني على الدين العام من 1.25% في عام 2020 إلى حوالي 2% في عام 2025".
وقد أصبحت أوضاع المالية العامة في فرنسا محوراً رئيسياً للصراع السياسي في الانتخابات الرئاسية المقبلة.
عجز الموازنة في فرنسا
لقد خيّم العجز المتزايد في الميزانية بظلاله الثقيلة على الولاية الرئاسية الثانية لإيمانويل ماكرون؛ إذ كانت إصلاحات نظام التقاعد -التي أثارت استياءً واسعاً وشملت رفع سن التقاعد من 62 إلى 64 عاماً- تهدف إلى تحقيق الاستقرار في المالية العامة، وقد أُقرت هذه الإصلاحات لتصبح قانوناً نافذاً في عام 2023.
ومع ذلك، لا تزال هذه القضية مثيرة للجدل مع اقتراب انتخابات العام المقبل؛ فقد تعهدت مارين لوبان، زعيمة حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف والتي تتصدر استطلاعات الرأي، بخفض سن التقاعد مجدداً إلى 62 عاماً.
وبموجب قواعد الاتحاد الأوروبي، يُفترض ألا يتجاوز العجز العام -أي الفارق السنوي بين الإيرادات والإنفاق- نسبة 3% من الناتج المحلي الإجمالي.
إلا أن العجز في فرنسا ظل عالقاً عند مستويات تفوق 5% منذ تفشي جائحة كورونا وصرح سيباستيان ليكورنو، رئيس الوزراء الفرنسي يوم الخميس بأنه يتوقع أن ينخفض العجز في عام 2026 إلى ما دون 5.5%.
من المتوقع أن تتجاوز نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في البلاد المستويات القياسية السابقة التي سُجلت في أوائل عام 2021، إبان المراحل الأولى للجائحة.
أعلى معدل ديون في فرنسا منذ 1978
وبهذه النسبة التي تقترب من 120%، ستكون هذه أعلى معدلات الدين المسجلة منذ عام 1978، وذلك وفقاً للمعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية الفرنسي (Insee).
وفي غضون ذلك، قال رولان ليسكور، وزير الاقتصاد الفرنسي يوم الجمعة إن اقتصاد البلاد سيشهد تباطؤاً ولن يعود قادراً على دعم الأوضاع المالية المتدهورة للحكومة.
وتُعد فرنسا ثالث أكثر الدول مديونية في منطقة اليورو، ولا تسبقها في ذلك سوى اليونان وإيطاليا وكانت وكالة التصنيف الائتماني "فيتش" (Fitch) قد حذرت في أواخر شهر أغسطس من أن "حالة الانقسام السياسي المستمرة" جعلت عملية صنع السياسات غير قابلة للتنبؤ.
وقد أحالت الحكومة مسودة تدابير ميزانية عام 2027 إلى هيئة رقابة مالية مستقلة، وهي "المجلس الأعلى للمالية العامة"، لتقييم مدى جدواها من منظور الاقتصاد الكلي.
وذكر ليكورنو أن الحكومة الفرنسية تخطط لإجراء تخفيضات في الإنفاق بقيمة 54 مليار يورو (46 مليار جنيه إسترليني) ضمن ميزانية عام 2027.
وتأتي هذه الخطوة في وقت يقف فيه الاقتصاد على حافة الركود، إذ انكمش بنسبة 0.2% في الربع الأول وظل ثابتاً دون نمو في الربع الثاني.
أسباب ركود الاقتصاد الفرنسي
وعزا ليسكور هذا الوضع إلى الاضطرابات السياسية في فرنسا، وحرائق الغابات التي اندلعت في الصيف، وأزمة الوقود الناجمة عن الحرب في إيران، قائلاً: "لم يكن عام 2026 عاماً رحيماً بفرنسا".
كما ارتفعت عوائد السندات الفرنسية -التي تعكس سعر الفائدة على الاقتراض الحكومي- إلى مستويات قياسية جديدة يوم الجمعة؛ إذ صعد عائد السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.45%، وهو أعلى مستوى له منذ الأزمة المالية العالمية.
وبلغ عائد السندات لأجل 30 عاماً 5.11%، مسجلاً بذلك أعلى مستوى له منذ عام 2002.
وأشار ليسكور إلى أن تكلفة سداد الديون ستكون أعلى بنسبة 25% هذا العام مقارنة بالعام الماضي، لتصل إلى 65 مليار يورو.
وقال: "نحن ننفق اليوم على خدمة الدين أكثر مما ننفقه على تعليم أطفالنا أو الدفاع عن أمتنا".







