قالت صحيفة "ديلي تليجراف" البريطانية إن تصاعد العنف في شمال إثيوبيا ينذر بإعادة إشعال الحرب الأهلية في إقليم تيجراي التي استمرت من 2020 إلى 2022، مؤكدة أن الهجوم المتمرد يهدد بإشعال حرب في جميع أنحاء القرن الأفريقي.
الحرب باتت حتمية في ميكيلي
وأضافت الصحيفة أن الحرب بدت حتمية في ميكيلي، عاصمة تيجراي، منذ شهور، وأن أسوأ مخاوف السكان تحققت هذا الأسبوع، بعد أربع سنوات فقط من حرب أهلية مدمرة أودت بحياة ما يصل إلى 600 ألف شخص.
وأوضحت أنه بعد سلسلة مناوشات وغارات بطائرات مسيرة خلال الصيف، أعلنت جبهة تحرير شعب تيجراي الحرب الشاملة ضد الجيش الفيدرالي يوم الثلاثاء، وسرعان ما سيطرت على مطارات المنطقة وهاجمت مواقع الحكومة، فيما يدور قتال عنيف على طول حدود تيجراي مع عفار وأمهرة.
ونقلت عن كيبروم مدهاني، 33 عاماً، قوله من ميكيلي: "سمع الجميع نبأ الحرب وقرروا التوجه إلى هنا. أمضى الناس شهوراً في سحب مدخراتهم وتخزين المؤن. كنا نجلس وننتظر لفترة طويلة، كانت الحرب حتمية"، مضيفاً: "الوضع هادئ لكن يمكنك أن تشعر بالتوتر. الجميع متوترون".
حرب منسية رغم دمويتها
وذكرت الصحيفة أن حرب تيجراي بين 2020 و2022 وما أعقبها من مجاعة وأمراض كانت من بين أكثر الصراعات دموية في السنوات الأخيرة، لكنها لم تحظ باهتمام عالمي بسبب انشغال العالم بجائحة كوفيد-19.
وأشارت إلى مخاوف من أن تكون الحرب الجديدة بنفس القدر من الدمار، وقد تتفاقم بسبب الصراعات الأخرى في القرن الأفريقي، مستشهدة بمعاناة الحرب الأهلية في السودان المجاور كمثال على كارثة تدخل القوى الإقليمية بأجنداتها الخاصة.
تحالف البقاء للإطاحة بآبي أحمد
وأعلنت سبع جماعات متمردة يوم الأحد الماضي تشكيل "تحالف البقاء" للإطاحة بحكومة رئيس الوزراء آبي أحمد الحائز على نوبل عام 2019، ووصفت الجماعات، بما فيها جبهة تحرير تيجراي وحركة فانو الوطنية في أمهرة، الحكومة الإثيوبية بأنها "ديكتاتورية" و"إبادة جماعية".
ونقلت عن المسئول السابق في الخارجية الأمريكية كاميرون هدسون قوله إن الإعلان بدا وكأنه "إشارة بدء لحرب أهلية محتملة قد تتطور بسرعة إلى حرب إقليمية أوسع مع اندماجها في الصراعات السودانية والصومالية".
صمت رسمي وقطع للإنترنت
وتعرضت ميكيلي لهجمات بطائرات مسيرة حملت الحكومة المسئولية عنها، بينها غارة في أغسطس أصابت 12 شخصاً، وشهدت الأيام الأخيرة إقبالاً كثيفاً على المتاجر والبنوك، فيما تم إغلاق الإنترنت جزئياً ليلة الخميس في تكرار لانقطاعات الحرب السابقة.
وفي أديس أبابا لم يعترف المسئولون بعد باندلاع الحرب، حيث نشرت صحيفة "إثيوبيان هيرالد" الرسمية تغطية لقمة أفريقية للذكاء الاصطناعي على صفحتها الأولى دون إشارة للقتال.
هدنة هشة وإعادة اصطفاف فوضوية
وأوضحت الصحيفة أن تحذيرات تجدد القتال صدرت منذ ثلاث سنوات، فخلال الحرب تحالفت القوات الحكومية مع الإريتريين ضد جبهة تحرير تيجراي، وتم التوصل إلى هدنة هشة في بريتوريا بوساطة الاتحاد الأفريقي، لكن معظم بنودها لم تطبق ولم تحل الأسباب الجذرية.
وفي السنوات الفاصلة، حدثت إعادة تنظيم فوضوية، حيث تدهورت العلاقات بين إريتريا وإثيوبيا اللتين ضمنت معاهدة السلام بينهما عام 2018 حصول آبي أحمد على نوبل، وانحازت إريتريا إلى جانب تيجراي رغم نفي التحالف الجديد أي صلة بها، فيما انفصلت ميليشيات فانو التي كانت متحالفة مع آبي وانضمت إلى تحالف المتمردين.
ونقلت عن ولدياب برهي، 23 عاماً من ماكيلي، قوله: "لقد أدى ذلك إلى انقسام التيجراي. البعض يدعمهم وأنا أعتبر هذا خيانة وسياسة قذرة"، مشككاً في نفي إريتريا صلتها بالتحالف.
تحالفات إقليمية متشابكة
وأشارت "تليجراف" إلى أن الجماعات المتمردة ليست مجرد أعداء سابقين بل لديها وجهات نظر مختلفة، ما يثير تساؤلات حول تماسكها، ونقلت عن المحامي وقائد فانو أسريس ماري دامتي قوله إن التحالف احتاج مفاوضات مطولة، موضحاً أنهم منفتحون على الحوار بشرط عدم المساس بالسيادة الإثيوبية.
وربما كانت هذه المخاوف رداً على شبكة التحالفات الدولية المتشابكة التي تعني أن الحرب الجديدة لن تبقى شأناً إثيوبياً معزولاً، فيما ترتبط إريتريا بعلاقات أقرب للسودان ومصر الخصم التاريخي لإثيوبيا التي تعتبر سد النهضة تهديداً لإمداداتها المائية، بينما رفعت واشنطن مؤخراً العقوبات عن إريتريا التي تتوق لحليف عبر البحر الأحمر من الحوثيين.
ونقلت عن كبيرة محللي شرق أفريقيا في منظمة رصد بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة جلالي جيتاشيو بيرو قولها: "الأمر لا يقتصر على تصاعد القتال. فالعديد من الجبهات نشطة الآن والمناطق المدنية معرضة للغارات والاتصالات معطلة. ما نشهده هو صراع يتوسع في عدة اتجاهات".
وختمت الصحيفة بقول ولدياب الذي فقد أخاً وابن عم في الحرب الأولى: "تصافحوا جميعاً في بريتوريا لكنني ما زلت حزيناً. أكره آبي لكنني أكره الحرب أيضاً. لا يستحق الأمر أن أموت لمجرد أن يتصافحوا مرة أخرى".