تعد حرب أكتوبر المجيدة علامة مضيئة في تاريخ العسكرية المصرية، فقد تضافرت خلالها جهود مختلف التشكيلات والقيادات في ملحمة عسكرية خاض فيها المصريون معركة استعادة الأرض والكرامة، ودفعوا من أجلها أثمانا غالية من دمائهم، حتى استعادوا جزءا عزيزا من أرض الوطن، وهي سيناء.
ولم تكن حرب أكتوبر مجرد مواجهة عسكرية، وإنما كانت اختبارا حقيقيا لقدرة مصر على تحويل إرادة التحرير إلى واقع، وإعادة بناء قواتها المسلحة بعد سنوات من الصراع، وصولا إلى لحظة العبور التي أعادت إلى الجيش المصري ثقته وقدرته على المبادرة وتحقيق أهدافه.
استعادة سيناء من المحتل الإسرائيلي
بعد نصر السادس من أكتوبر عام 1973، بدأت معركة أخرى مع الجانب الإسرائيلي، وهي المعركة الدبلوماسية بين مصر وإسرائيل، وكانت بدايتها المفاوضات للفصل بين القوات المصرية والإسرائيلية عامي 1974 و1975، ثم بعد ذلك مباحثات كامب ديفيد، التي أفضت إلى إطار السلام في الشرق الأوسط، وبعدها تم توقيع معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1979.
كيف تمت استعادة سيناء من المحتل الإسرائيلي؟
بعد نصر أكتوبر، وإلحاق خسائر كبرى بجيش الاحتلال، سواء في الأفراد أو المعدات، بدأت المفاوضات على استعادة سيناء مرة أخرى، لكن عن طريق المفاوضات بين الطرفين المصري والإسرائيلي، وكان المفاوض المصري حينها يعلم أن إسرائيل لا تؤمن بالسلام، لكنها تماطل لتكسب مزيدا من الوقت لنقبل سياسة الأمر الواقع، لكن المفاوض المصري كان يعي جيدا الأسلوب الإسرائيلي.
والحقيقة أن إجبار إسرائيل على التفاوض لاسترداد سيناء جاء لسببين، أولهما نصر السادس من أكتوبر عام 1973، والسبب الثاني عندما أعلن الرئيس الراحل أنور السادات استعداده للذهاب إلى إسرائيل لإنهاء الصراع العربي الإسرائيلي.
نصر السادس من أكتوبر
بعد اليوم السادس عشر من بدء حرب أكتوبر، تم إصدار القرار رقم 338، والذي يقضي بوقف جميع الأعمال العسكرية بدءا من 22 أكتوبر 1973، وذلك بعد تدخل الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأعضاء في مجلس الأمن، والذي قبلته مصر ونفذته مساء يوم صدور القرار.
إلا أن خرق القوات الإسرائيلية للقرار أدى إلى إصدار مجلس الأمن قرارا آخر يوم 23 أكتوبر، يلزم جميع الأطراف بوقف إطلاق النار، والذي التزمت به إسرائيل ووافقت عليه، ودخولها في مباحثات عسكرية للفصل بين القوات، الأمر الذي أدى إلى توقف المعارك في 28 أكتوبر 1973، بوصول قوات الطوارئ الدولية إلى جبهة القتال على أرض سيناء.
مباحثات الكيلو 101
في مباحثات الكيلو 101، والتي كانت في شهري أكتوبر ونوفمبر عام 1973، تم الاتفاق على تمهيد الطريق أمام المحادثات السياسية للوصول إلى تسوية دائمة في الشرق الأوسط، حيث تم التوقيع في 11 نوفمبر 1973 على اتفاق تضمن التزاما بوقف إطلاق النار، ووصول الإمدادات اليومية إلى مدينة السويس، وتتولى قوات الطوارئ الدولية مراقبة الطريق، ثم يبدأ تبادل الأسرى والجرحى، واعتبر هذا الاتفاق مرحلة افتتاحية مهمة في إقامة سلام دائم وعادل في منطقة الشرق الأوسط.
اتفاقيتا فض الاشتباك الأولى يناير 1974 والثانية سبتمبر 1975
في يناير من عام 1974، تم توقيع الاتفاق الأول لفض الاشتباك بين مصر وإسرائيل، والذي حدد الخط الذي ستنسحب إليه القوات الإسرائيلية على مساحة 30 كيلومترا شرق القناة، وخطوط منطقة الفصل بين القوات التي سترابط فيها قوات الطوارئ الدولية.
وفي سبتمبر 1975، تم التوقيع على الاتفاق الثاني، الذي بموجبه تقدمت مصر إلى خطوط جديدة، مستردة حوالي 4500 كيلومتر من أرض سيناء، ومن أهم ما تضمنه الاتفاق أن النزاع في الشرق الأوسط لن يُحسم بالقوة العسكرية، ولكن بالوسائل السلمية.
زيارة الرئيس السادات للقدس
قام الرئيس الراحل أنور السادات بزيارة إلى القدس في نوفمبر 1977، وذلك بعد الخطاب الشهير الذي ألقاه في مجلس الشعب المصري، معلنا استعداده للذهاب إلى إسرائيل من أجل السلام، وبالفعل قام السادات بزيارة إسرائيل، وألقى كلمة بالكنيست الإسرائيلي، طرح من خلالها مبادرته للسلام، والتي تتكون من خمس أسس محددة يقوم عليها السلام، وهي:
- إنهاء حالة الحرب القائمة في المنطقة.
- إنهاء الاحتلال الإسرائيلي لجميع الأراضي العربية التي احتلت عام 1967.
- تحقيق الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير، بما في ذلك حقه في إقامة دولته.
- حق كل دول المنطقة في العيش في سلام داخل حدودها الآمنة والمضمونة، عن طريق إجراءات يتفق عليها لتحقيق الأمن المناسب للحدود الدولية، بالإضافة إلى الضمانات الدولية المناسبة.
- تلتزم كل دول المنطقة بإدارة العلاقات فيما بينها طبقا لأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وبصفة خاصة عدم اللجوء إلى القوة وحل الخلافات بينها بالوسائل السلمية.
كامب ديفيد وتوقيع اتفاقية السلام
في الخامس من سبتمبر 1978، وافقت مصر وإسرائيل على الاقتراح الأمريكي بعقد مؤتمر ثلاثي في كامب ديفيد بالولايات المتحدة الأمريكية، وتم الإعلان عن التوصل إلى اتفاق بين مصر وإسرائيل يوم 17 سبتمبر عام 1978، كما تم التوقيع على وثيقة كامب ديفيد في البيت الأبيض يوم 18 سبتمبر 1978، ويحتوي الاتفاق على وثيقتين مهمتين لتحقيق تسوية شاملة للنزاع العربي الإسرائيلي.
الوثيقة الأولى.. السلام في الشرق الأوسط
نصت على أن مواد ميثاق الأمم المتحدة، والقواعد الأخرى للقانون الدولي والشرعية، توفر الآن مستويات مقبولة لسير العلاقات بين جميع الدول، وتحقيق علاقة سلام وفقا لروح المادة 2 من ميثاق الأمم المتحدة، وإجراء مفاوضات في المستقبل بين إسرائيل وأي دولة مجاورة ومستعدة للتفاوض بشأن السلام والأمن معها، هو أمر ضروري لتنفيذ جميع البنود والمبادئ في قراري مجلس الأمن رقم 242 و338.
الوثيقة الثانية.. إطار الاتفاق لمعاهدة سلام
الوثيقة الثانية؛ إطار الاتفاق لمعاهدة سلام بين مصر وإسرائيل.
وقعت مصر وإسرائيل في 26 مارس 1979 معاهدة السلام، اقتناعا منهما بالضرورة الماسة لإقامة سلام عادل وشامل ودائم في الشرق الأوسط، وفقا لقراري مجلس الأمن 242 و338، وتؤكدان من جديد التزامهما بإطار السلام في الشرق الأوسط المتفق عليه في كامب ديفيد.
معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في 26 مارس 1979
وقعت مصر وإسرائيل معاهدة السلام اقتناعا منهما بالضرورة الماسة لإقامة سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط، والتي نصت على إنهاء الحرب بين الطرفين وإقامة السلام بينهما، وسحب إسرائيل جميع قواتها المسلحة، وأيضًا المدنيين، من سيناء إلى ما وراء الحدود الدولية بين مصر وفلسطين تحت الانتداب، وتستأنف مصر ممارسة سيادتها الكاملة على سيناء.
عودة سيناء
أدت معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل إلى انسحاب إسرائيلي كامل من شبه جزيرة سيناء، وعودة السيادة المصرية على كامل ترابها المصري، وقد تم تحديد جدول زمني للانسحاب المرحلي من سيناء على النحو التالي:
في 26 مايو 1979، تم رفع العلم المصري على مدينة العريش، وانسحاب إسرائيل من خط «العريش/رأس محمد»، وبدء تنفيذ اتفاقية السلام، وفي 26 يوليو 1979، بدأت المرحلة الثانية للانسحاب الإسرائيلي من سيناء، من «أبو زنيبة حتى أبو خربة»، وفي 19 نوفمبر 1979، تم تسليم وثيقة تولي محافظة جنوب سيناء سلطاتها من القوات المسلحة المصرية، بعد أداء واجبها وتحرير الأرض وتحقيق السلام، وفي 19 نوفمبر 1979، تم الانسحاب الإسرائيلي من منطقة «سانت كاترين ووادي الطور»، واعتبار ذلك اليوم هو العيد القومي لمحافظة جنوب سيناء.
وفي يوم 25 أبريل 1982، تم رفع العلم المصري على حدود مصر الشرقية، في مدينة رفح بشمال سيناء وشرم الشيخ بجنوب سيناء، واستكمال الانسحاب الإسرائيلي من سيناء بعد احتلال دام 15 عاما، وإعلان هذا اليوم عيدا قوميا مصريا في ذكرى تحرير كل شبر من سيناء، فيما عدا الجزء الأخير، ممثلًا في مشكلة طابا التي أوجدتها إسرائيل في آخر أيام انسحابها من سيناء.
واستغرقت المعركة الدبلوماسية لتحرير هذه البقعة الغالية سبع سنوات من الجهد الدبلوماسي المصري المكثف، وفي 19 مارس 1989، رفع الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك علم مصر على طابا المصرية.