أكد النائب محمد سمير، عضو مجلس النواب، أن تثبيت وكالة «فيتش ريتنجز» للتصنيف الائتماني السيادي لمصر عند مستوى B مع نظرة مستقبلية مستقرة، يمثل مؤشرًا مهمًا على قدرة الاقتصاد المصري على التعامل مع الضغوط الخارجية والحفاظ على قدر من المرونة في مواجهة التطورات الإقليمية والدولية.
وقال سمير، في تصريح خاص، إن أهمية تقييم «فيتش» لا ترتبط فقط بتثبيت التصنيف، وإنما بما تضمنه من إشارات إلى عناصر القوة التي تدعم الاقتصاد المصري، وفي مقدمتها إمكانات النمو، والدعم المقدم من الشركاء الدوليين والثنائيين، ومرونة الاحتياطيات الأجنبية، رغم استمرار تحديات الدين والتمويل الخارجي والتضخم والمخاطر الجيوسياسية.
وأضاف أن التقرير يعكس صورة متوازنة للاقتصاد المصري؛ إذ يرصد في الوقت نفسه نقاط القوة ومواطن الضغط، وهو ما يؤكد أن الحفاظ على الاستقرار يتطلب استمرار الإصلاحات الاقتصادية وزيادة قدرة الاقتصاد على توليد موارده الذاتية.
احتياطي النقد الأجنبي.. خط دفاع أمام الصدمات الخارجية
وأشار عضو مجلس النواب إلى أن ارتفاع الاحتياطي الأجنبي إلى 54.4 مليار دولار بنهاية الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، بزيادة قدرها 5.5 مليار دولار، يمثل عنصرًا مهمًا في تعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية.
وأوضح أن تحسن موارد النقد الأجنبي، بدعم من تحويلات المصريين بالخارج والسياحة وإيرادات قناة السويس، يعزز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية ويدعم استقرار السوق، مشيرًا إلى أن مرونة الاحتياطي تمثل إحدى الأدوات المهمة في التعامل مع تقلبات الأسواق العالمية.
ولفت إلى أن انخفاض علاوة المخاطر على مصر إلى مستويات هي الأدنى منذ سنوات، وفق البيانات المشار إليها في تقييمات الأسواق، يعكس تحسنًا نسبيًا في نظرة المستثمرين إلى قدرة الاقتصاد على التعامل مع الضغوط الخارجية.
عودة الاستثمارات الأجنبية تؤكد أهمية مرونة سعر الصرف
وأكد سمير أن ما رصدته «فيتش» بشأن خروج أكثر من 6 مليارات دولار من استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية عقب اندلاع الحرب في إيران، قبل عودة جانب كبير من هذه التدفقات واستعادة الجنيه جزءًا كبيرًا من خسائره، يبرز أهمية وجود آلية أكثر مرونة لسعر الصرف وقدرة السوق على استيعاب الصدمات.
وقال إن الحفاظ على مرونة سوق الصرف، إلى جانب السياسات النقدية والمالية المنضبطة، يساهم في تعزيز ثقة المستثمرين وتقليل مخاطر الاختلالات الحادة في السوق، خاصة في ظل بيئة إقليمية ودولية شديدة التقلب.
النمو مستمر.. لكن المطلوب توسيع قاعدة الإنتاج
وأوضح عضو مجلس النواب أن توقعات «فيتش» بشأن تباطؤ معدل النمو إلى 4.7% خلال العام المالي 2027 مقابل 5.1% في 2026 تؤكد أن التحدي المقبل لا يتمثل فقط في الحفاظ على معدلات النمو، وإنما في تحسين نوعية هذا النمو وتوسيع قاعدته الإنتاجية.
وشدد على أهمية توجيه مزيد من الاستثمارات نحو قطاعات الصناعة والتصدير والسياحة والخدمات اللوجستية والزراعة، بما يزيد من قدرة الاقتصاد على توفير فرص عمل حقيقية ويعزز تدفقات النقد الأجنبي.
وأضاف أن الاقتصاد المصري بحاجة إلى نمو تقوده قطاعات إنتاجية قادرة على المنافسة في الأسواق الخارجية، وليس الاعتماد بصورة أكبر على مصادر مؤقتة أو متقلبة للتمويل.
التضخم وخدمة الدين.. الملفات الأكثر إلحاحًا
وأكد سمير أن استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع تكلفة خدمة الدين يمثلان من أبرز الملفات التي تحتاج إلى معالجة متدرجة خلال المرحلة المقبلة.
وأشار إلى أن توقع «فيتش» ارتفاع متوسط التضخم إلى 12.3% في 2027 قبل تراجعه إلى أقل من 10% في 2028، يعكس أهمية استمرار السياسات التي تستهدف احتواء الضغوط السعرية، مع ضرورة حماية الفئات الأكثر تأثرًا بارتفاع تكاليف المعيشة.
كما شدد على أن خفض تكلفة خدمة الدين يجب أن يظل أحد أهم أهداف السياسة المالية، خصوصًا مع ارتفاع مدفوعات الفوائد إلى مستويات تفوق بصورة كبيرة متوسط الدول المصنفة عند المستوى ذاته، وفق تقديرات الوكالة.
انتهاء برنامج «النقد الدولي» لا يعني انتهاء الإصلاح
وقال عضو مجلس النواب إن توقعات «فيتش» بعدم وجود برنامج تمويلي جديد مع صندوق النقد الدولي عقب انتهاء البرنامجين الحاليين في نوفمبر 2026، مع استمرار السياسات المرتبطة بالفائدة الحقيقية الموجبة والفائض الأولي ومرونة سعر الصرف، تعني أن المرحلة المقبلة ستتطلب الاعتماد بصورة أكبر على قدرة الاقتصاد المصري الذاتية.
وأكد أن الهدف يجب أن يكون الانتقال تدريجيًا من اقتصاد يعتمد بصورة أكبر على التمويل إلى اقتصاد يمتلك قاعدة إنتاجية وتصديرية قادرة على توليد العملة الأجنبية وخفض الاحتياجات التمويلية.
محمد سمير: التصنيف محطة مهمة وليس شهادة نهاية الطريق
وشدد النائب محمد سمير على أن تثبيت التصنيف الائتماني يمثل محطة إيجابية في مسار الاقتصاد المصري، لكنه ليس نهاية المطاف، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل مؤشرات الاستقرار إلى تحسن مستدام يشعر به المواطن والمستثمر.
وقال: «الحفاظ على التصنيف والنظرة المستقرة أمر مهم، لكن الأهم هو أن نترجم هذه المرونة إلى اقتصاد أكثر إنتاجًا وتنافسية، وأن تتحول زيادة الاحتياطيات وتدفقات الاستثمار والنمو إلى مشروعات وفرص عمل ودخل حقيقي للمواطن».
وأضاف أن المرحلة المقبلة تتطلب مواصلة الإصلاحات الهيكلية، وتمكين القطاع الخاص، وتعميق التصنيع المحلي، وزيادة الصادرات، وتعظيم عوائد السياحة وقناة السويس وتحويل الموقع الجغرافي لمصر إلى مصدر مستدام للقيمة الاقتصادية.
قوة الاقتصاد في قدرته على امتصاص الصدمات وصناعة الفرص
واختتم سمير تصريحه بالتأكيد على أن التحدي أمام الاقتصاد المصري لم يعد فقط تجاوز الأزمات المتتالية، وإنما بناء قدرة مستدامة على امتصاص الصدمات وصناعة الفرص.
وقال: «رسالة تثبيت التصنيف واضحة: الاقتصاد المصري يمتلك قدرًا من المرونة، لكن المطلوب خلال المرحلة المقبلة هو البناء على هذه المرونة. نريد أن يتحول الاستقرار إلى استثمار، والاستثمار إلى إنتاج، والإنتاج إلى صادرات وفرص عمل، وفي النهاية إلى تحسن ملموس ومستدام في مستوى معيشة المواطن».



