أكد الشيخ عبد الرحمن محمد شلبي، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن صناعة الفتوى تقوم على منهج علمي متكامل يمر بأربع مراحل أساسية، هي التصوير والتكييف الفقهي وبيان الحكم الشرعي وتنزيل الحكم على الواقع، مشددًا على أن الوصول إلى فتوى منضبطة يتطلب الفهم الدقيق للسؤال، والإحاطة بتفاصيل الواقعة وظروفها، قبل إصدار الحكم الشرعي بشأنها.
وأوضح شلبي، خلال المحاضرة الثالثة التي جاءت بعنوان «مراحل صناعة الفتوى في دار الإفتاء المصرية»، أن الفتوى هي بيان الحكم الشرعي بدليله، وهو ما يستلزم من المفتي إزالة أي غموض أو لبس في السؤال المطروح، والتأكد من فهم حقيقة المسألة وملابساتها، حتى يستند الحكم إلى تصور صحيح للواقعة.
التصوير والتكييف أساس الوصول إلى الحكم الشرعي
وقال أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية إن المرحلة الأولى تتمثل في التصوير، أي فهم المسألة محل الفتوى فهمًا دقيقًا وشاملًا، من خلال التعرف على حقيقتها وتفاصيلها والظروف المحيطة بها، مع مراعاة أحوال الأشخاص واختلاف الأزمنة والأمكنة، بما يساعد على تكوين تصور واضح للواقعة.
وأضاف أن المرحلة الثانية هي التكييف الفقهي، الذي يقوم على تحديد الوصف الفقهي للمسألة وإلحاقها بالباب الفقهي المناسب، وفقًا لحقيقتها والضوابط الشرعية المرتبطة بها، تمهيدًا لتحديد الحكم الذي ينطبق عليها.
وأوضح شلبي أن المرحلة الثالثة تتمثل في بيان الحكم الشرعي بالاستناد إلى الأدلة والمصادر الشرعية المعتبرة، وفي مقدمتها القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع والقياس، وغيرها من الأدلة المعتمدة، مع مراعاة مقاصد الشريعة الإسلامية والقواعد الفقهية ذات الصلة.
وذكر أن المرحلة الرابعة هي تنزيل الحكم الشرعي على الواقع، من خلال تطبيق الحكم على المسألة المعروضة، مع مراعاة ظروفها وملابساتها وأحوال أصحابها، بما يضمن التعامل الصحيح مع الواقعة وتحقيق ملاءمة الفتوى للواقع الذي تعالجه.
صناعة الفتوى عملية علمية متكاملة
وأكد الشيخ عبد الرحمن شلبي أن صناعة الفتوى ليست مجرد إصدار حكم بشأن سؤال معين، وإنما هي عملية علمية مركبة تتطلب البحث الدقيق، وسلامة الاستدلال، والتكامل بين المعرفة الشرعية والفهم الواقعي للمسائل، مشيرًا إلى أن دار الإفتاء المصرية تمثل مجمعًا علميًا فقهيًا تتضافر فيه الجهود للوصول إلى الفتاوى المنضبطة.
واستعرض عددًا من النماذج التطبيقية لتوضيح كيفية توظيف المراحل الأربع في التعامل مع المسائل المختلفة، من بينها أحكام اللقطة والكحول والتصوير الفوتوغرافي، موضحًا كيفية الانتقال من فهم الواقعة وتكييفها فقهيًا إلى بيان حكمها الشرعي وتطبيقه على الحالة المعروضة.
وأشار إلى أن هذه التطبيقات تساعد على توضيح الجوانب العملية لمنهج صناعة الفتوى، وتبين أهمية عدم التسرع في إصدار الأحكام قبل استكمال دراسة المسألة وفهم تفاصيلها وتحديد الوصف الفقهي المناسب لها.
الاستعانة بالمتخصصين ضرورة في القضايا المستجدة
وشدد أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية على أهمية الاستعانة بأهل الاختصاص في المسائل التي تتطلب معرفة علمية أو فنية متخصصة، مؤكدًا أن فهم بعض القضايا المعاصرة لا يكتمل بالمعرفة الشرعية وحدها، بل يستلزم الاستفادة من الخبرات المتخصصة التي تساعد على تحديد حقيقة المسألة وتفاصيلها.
وأوضح ضرورة الرجوع إلى خبراء الاقتصاد عند بحث القضايا المتعلقة بالمعاملات المالية الإلكترونية والعملات الرقمية، للوقوف على طبيعة هذه المعاملات وآليات عملها والمخاطر المرتبطة بها، بما يساعد على استكمال التصور الصحيح للمسألة قبل إصدار الحكم الشرعي بشأنها.
كما أشار إلى أهمية الاستعانة بالأطباء في المسائل الطبية التي تحتاج إلى تقييم متخصص، مستشهدًا بالفتاوى المتعلقة بجائحة كورونا، التي تبرز أهمية التكامل بين المعرفة الطبية والبحث الشرعي في التعامل مع القضايا التي تتطلب فهمًا دقيقًا للواقع.
واختتم شلبي بالتأكيد على أن الاستعانة بالمتخصصين تمثل عنصرًا مهمًا في الوصول إلى الفتوى المنضبطة، خاصة في القضايا المستجدة التي تتداخل فيها الجوانب الشرعية مع المجالات الاقتصادية والطبية والفنية، بما يعزز دقة التصور وسلامة التكييف والاستدلال، ويضمن تنزيل الحكم الشرعي على الواقع وفقًا لطبيعة كل مسألة وظروفها.



