دخلت إسرائيل مرحلة سياسية جديدة بعد تكليف غادي أيزنكوت بتشكيل الحكومة المقبلة، عقب خسارة بنيامين نتنياهو أغلبيته البرلمانية، في مشهد يفتح الباب أمام معركة معقدة لتجميع 61 مقعدًا على الأقل داخل الكنيست المؤلف من 120 عضوًا.
ولا تبدو مهمة أيزنكوت سهلة، فرغم حصول المعسكر المعارض والأحزاب العربية على عدد من المقاعد يسمح نظريًا بتوفير الأغلبية، فإن الخلافات حول شكل الحكومة المقبلة، وحدود التعاون مع الأحزاب العربية، وموقف الأحزاب الحريدية من الخدمة العسكرية، تجعل تشكيل ائتلاف مستقر مهمة شديدة التعقيد.

أيزنكوت أمام اختبار الـ61 مقعدًا
كلف الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، السبت، غادي أيزنكوت بتشكيل الحكومة الجديدة، ومنحه مهلة 28 يومًا لإنجاز المهمة، مع إمكانية تمديدها أسبوعين إضافيين وفق القواعد المنظمة لتشكيل الحكومة.
وتشير نتائج الانتخابات إلى حصول معسكر نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا للأحزاب الصهيونية المعارضة، بينما حصلت الأحزاب العربية على 19 مقعدًا، لتصبح كتلتها عاملًا حاسمًا في الحسابات الخاصة بتشكيل الحكومة.
وبحسب توصيات الكتل البرلمانية للرئيس الإسرائيلي، يصل عدد النواب الذين يدعمون تكليف أيزنكوت إلى 67 نائبًا عند احتساب أحزاب المعارضة إلى جانب الأحزاب العربية، لكن امتلاك هذا الرقم لا يعني بالضرورة القدرة على تشكيل ائتلاف حكومي متماسك.
الأحزاب العربية.. مفتاح الأغلبية
يمثل التعاون مع الأحزاب العربية أحد أكثر الملفات حساسية أمام أيزنكوت، إذ يمكن لأصواتها أن تساعده على تجاوز حاجز الـ61 مقعدًا، لكن هناك فارقًا سياسيًا كبيرًا بين تأييد تكليفه بتشكيل الحكومة وبين المشاركة الفعلية فيها أو تقديم دعم برلماني لحكومته.
وتظهر داخل المعسكر المعارض نفسه مواقف مختلفة من طبيعة هذا التعاون، في ظل وجود قوى سياسية ترفض الاعتماد على الأحزاب العربية لتشكيل الحكومة، بينما يبدي آخرون استعدادًا للتعامل معها باعتبارها جزءًا أساسيًا من المعادلة البرلمانية الجديدة.
ويبرز يائير غولان، رئيس حزب الديمقراطيين، بين الأصوات الأكثر انفتاحًا على التعاون مع الأحزاب العربية، في وقت تواجه فيه قيادة أيزنكوت ضغوطًا لتحديد شكل العلاقة معها، وما إذا كان الدعم العربي سيكون من داخل الحكومة أم من خارجها.
وشهدت تل أبيب، السبت، احتجاجات تطالب بإشراك الأحزاب العربية في الحكومة المقبلة، في محاولة لدفع المعسكر المعارض إلى استثمار الأغلبية البرلمانية المتاحة أمامه بدلًا من تركها رهينة للخلافات السياسية.
الحريديم.. العقدة الأصعب
في المقابل، يواجه أيزنكوت اختبارًا آخر يتعلق بالأحزاب الحريدية، التي تطالب بالحفاظ على وضع طلاب المعاهد الدينية فيما يتعلق بالخدمة العسكرية الإلزامية.
ويتمسك أيزنكوت بمبدأ الخدمة الإلزامية للجميع، ويضع الخدمة العسكرية أو الوطنية ضمن المبادئ التي يشترط التزام شركائه بها، وهو ما يصطدم مباشرة بمطالب الأحزاب الدينية المتشددة، وعلى رأسها شاس ويهدوت هتوراه، التي تسعى إلى حماية الإعفاءات الممنوحة لطلاب المعاهد الدينية.
وتزداد صعوبة الموقف مع محاولة بعض قادة المعارضة فتح باب التفاوض مع الأحزاب الحريدية، باعتبار أن استقطاب جزء منها قد يوفر لأيزنكوت بديلًا عن الاعتماد الكامل على الأحزاب العربية.
وأبدى يائير غولان انفتاحًا على حكومة تضم أحزابًا حريدية، لكنه ربط ذلك بتجنيد شبابها ودمجهم في سوق العمل، إلى جانب احترام نمط الحياة العلماني، بما في ذلك قضايا المواصلات والخدمات العامة خلال أيام السبت.
كما أظهر أفيغدور ليبرمان، زعيم حزب إسرائيل بيتنا، مرونة أكبر تجاه إمكانية التعاون مع الأحزاب الحريدية، بعدما خفف اعتراضه السابق على مشاركتها في الحكومة.
لكن هذا الانفتاح لا يحسم الأزمة، لأن موقف أيزنكوت من التجنيد الشامل يتعارض مع المطالب الأساسية للأحزاب الحريدية، ما يعني أن أي اتفاق معها قد يتطلب تنازلات سياسية صعبة.
نتنياهو يحاول العودة من الباب الخلفي
في الوقت الذي يخوض فيه أيزنكوت مفاوضات تشكيل الحكومة، لا يبدو بنيامين نتنياهو مستعدًا لمغادرة المشهد السياسي بسهولة.
ودعا نتنياهو إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية تضم أحزاب ائتلافه الحالي، بما فيها القوى اليمينية المتشددة والأحزاب الحريدية، محذرًا من تشكيل حكومة تعتمد على دعم الأحزاب العربية.
وتكشف هذه الدعوة عن محاولة للحفاظ على نفوذ معسكره السياسي ومنع خصومه من استثمار نتائج الانتخابات في تشكيل حكومة جديدة، بينما يضع أيزنكوت أمام خيار التعامل مع أحزاب كانت جزءًا من الائتلاف الذي حكم إسرائيل خلال الفترة الماضية.
في المقابل، رفض حزب يشار الذي يقوده أيزنكوت صيغة حكومة الوحدة التي طرحها نتنياهو، ودعا الليكود إلى التخلي عن تحالفه مع الأحزاب المتشددة والانضمام إلى حكومة يقودها أيزنكوت.
وبذلك لا تدور المعركة فقط حول عدد المقاعد المطلوبة لتشكيل الحكومة، وإنما حول هوية الائتلاف نفسه، والقوى التي ستحدد اتجاهاته السياسية والأمنية خلال المرحلة المقبلة.
ترامب يدخل على خط الحسابات
ولا يمكن فصل معركة تشكيل الحكومة الإسرائيلية عن الحسابات الأميركية، خصوصًا في ظل العلاقة الوثيقة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونتنياهو، والتطورات الإقليمية التي تتطلب من واشنطن وجود شريك إسرائيلي قادر على تنفيذ تفاهمات سياسية وأمنية.
وكان ترامب قد أبدى في 28 أكتوبر استعدادًا للنظر في إمكانية التدخل لدفع تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة نتنياهو، كما تحدث عن تأثير دعمه الانتخابي لرئيس الوزراء الإسرائيلي، خلال مقابلة مع "أكسيوس".
لكن تكليف أيزنكوت غيّر المعادلة، وفتح الباب أمام تساؤلات بشأن موقف إدارة ترامب من الحكومة الإسرائيلية المقبلة، وما إذا كانت واشنطن ستتمسك بدعم نتنياهو أم ستتعامل مع أيزنكوت باعتباره الخيار القادر على تشكيل حكومة مستقرة.
ونقلت تقارير إسرائيلية عن مصادر أن مقربين من ترامب ضغطوا باتجاه الإسراع في تشكيل حكومة جديدة وإقصاء نتنياهو، بينما أكد مسؤول أميركي أن الإدارة لم تحسم موقفها بشأن التدخل في مفاوضات تشكيل الائتلاف.
وتعني هذه التطورات أن واشنطن قد تجد نفسها أمام ضرورة إعادة ترتيب حساباتها، بحيث لا يصبح دعم شخصية سياسية بعينها عائقًا أمام تحقيق أهدافها الأوسع في المنطقة.
إيران وغزة.. الاختبار الحقيقي
تزداد أهمية الحكومة الإسرائيلية المقبلة بالنسبة إلى إدارة ترامب بسبب الملفات الإقليمية التي تحتاج إلى تنسيق مباشر مع تل أبيب، وعلى رأسها إيران، ومستقبل الوضع في غزة، والعلاقات الإسرائيلية مع الدول العربية.
فالحكومة التي تضم أحزابًا يمينية متشددة قد تواجه صعوبة أكبر في التعامل مع بعض المبادرات الأميركية المتعلقة بغزة والعلاقات الإقليمية، بينما لا يعني وصول أيزنكوت إلى رئاسة الحكومة بالضرورة حدوث تغيير جذري في المواقف الأمنية الإسرائيلية.
ويتبنى أيزنكوت مواقف أمنية واضحة، من بينها التشديد على أمن إسرائيل والتعامل مع القدرات العسكرية لحماس، إلى جانب موقفه من الخدمة العسكرية لجميع المواطنين.
ومن ثم، فإن واشنطن لا تنظر فقط إلى اسم رئيس الوزراء المقبل، وإنما إلى تركيبة الحكومة والائتلاف الذي سيحيط به، ومدى قدرته على تنفيذ تفاهمات تتعلق بإيران وغزة والضفة الغربية والملف الفلسطيني.
حكومة الوحدة.. حل أم فخ سياسي؟
أمام أيزنكوت عدة سيناريوهات، أولها تشكيل حكومة تستند إلى دعم الأحزاب العربية، سواء عبر مشاركتها أو من خلال دعمها من خارج الائتلاف.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في استقطاب أحزاب حريدية من معسكر نتنياهو، وهو خيار قد يمنحه أغلبية أوسع لكنه سيضعه أمام تنازلات بشأن الخدمة العسكرية وقضايا اجتماعية ودينية حساسة.
ويتمثل السيناريو الثالث في تشكيل حكومة وحدة وطنية، وهو الخيار الذي يطرحه نتنياهو، لكنه يصطدم برفض أيزنكوت العودة إلى صيغة تضم القوى اليمينية المتشددة التي كانت جزءًا من الحكومة السابقة.
وبين هذه الخيارات، تبدو مهمة أيزنكوت أكبر من مجرد جمع 61 نائبًا، لأن نجاحه الحقيقي سيكون في تشكيل حكومة قادرة على الاستمرار، وليس ائتلافًا هشًا يسقط عند أول خلاف حول التجنيد أو العلاقة مع الأحزاب العربية أو الملفات الأمنية.
وفي المقابل، يواجه ترامب معادلة مشابهة؛ فالإدارة الأميركية تحتاج إلى حكومة إسرائيلية مستقرة يمكنها التعامل معها في ملفات المنطقة، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بالحفاظ على نفوذها وعلاقاتها داخل إسرائيل دون أن يتحول دعم نتنياهو إلى عقبة أمام المرحلة السياسية الجديدة.






