ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
مدير التحرير
صفاء نوار

على الهامش

نيفين منصور

نيفين منصور

الخميس 10/يناير/2019 - 07:28 م
ما أجمل أن تحيا حياتك حرًا طليقًا لا سلطة لأحد عليك، تأكل ما تريد ، ترتدي ما تحب، دون أن تلتفت لرأي الآخرين، حياة من نسيج أفكارك وأحلامك. وكأنك وجدت جنتك ولكن علي الأرض، بالتأكيد هذا لن يحدث طالما دامت الدنيا، حتى من يبحث عن الخصوصية والوحدة والهروب من البشر يجد من ينسج له المشاكل ويكيل له الهم والغم.

أتحدث هنا عن الحياة على الهامش بكامل الاختيار ولا أتحدث عن المهمشين الذين يقضون حياتهم الدنيا في تعاسة وضغوط وتجبرهم الحياة علي أن يحيوا وسط تلال من الأحزان، كذلك لا أتحدث عن المستضعفين الذين حرموا من الاختيار الحر والرغبة الحقيقية في اختيار المصير.

المغزي الحقيقي لما أود شرحه هو الحياة في سلام دون تدخل الآخرين في تفاصيلها، لا أحد ينتقد أفعالك ،لا ضغوط لاختيار عمل دون رغبتك، لا مؤرقات من البعض وتضييق لمجرد أنك لك بصمة واضحة في الحياة، علمتني الحياة أن الأضواء كالسلاح الفتاك، قد تقضي عليك دون أن تشعر فجأة، وإذا لم يكن لديك السلاح المناسب لصد الهجمات سوف يقضي عليك بمنتهى السهولة واليسر.

على قدر ما يسعى الجميع للشهرة ورفع الذكر على قدر خطورة القرار، قد تأخذك الدنيا بسحرها فتسعى إلى أن يراك الناس ويعلم الجميع من أنت وماذا تفعل في أرض المولي عز وجل، وفجأة تجد نفسك في دائرة القيل والقال، البعض ينتقد ملابسك، والآخر ينتقد ابتسامتك وغيرهم يقحم نفسه في حياتك الخاصة حتي تجد نفسك بين جدران مغلقة من جميع الجوانب محاصر بالأقاويل والأعين أينما ذهبت وتتحول حياتك إلى جحيم.

أشفق دائمًا علي كل من هو داخل دائرة الضوء لأنه مهما حاول الفصل بين حياته المهنية وحياته الشخصية الخاصة لن ينجح علي العكس قد تتدمر حياته تدريجيًا بفعل القيل والقال، بالإضافة إلي أذرع الدمار الشامل التي تحاول دائمًا تدمير العلاقة بينه وبين من يحب، حتي يجد نفسه وحيدًا محطمًا، يحاول أن يلملم شتات نفسه من جديد، وقد ينجح ظاهريًا ولكنه سيظل ممزقًا من الداخل، هزيل يحتاج المساعدة.

الأغرب من ذلك هم المتابعون لهذا الشخص، فمنهم يتابع متابعة دقيقة كأنه يعمل في أعتي أجهزة المخابرات في العالم ويراقب في صمت ويدون ملاحظاته، ويثور ويشجب أحيانًا وقد يتفنن في اتلاف حياة هذا المشهور، يتصيد له الكلمات وينسج الزوابع وينفخ في الدخان حتي ينتشر فتصل الزوابع إلي أكبر عدد من البشر فيتحول الأمر إلى مجزرة حقيقية لهذا الشخص المشهور، وقد يتطلب منه عمله أن يصبح دائما في دائرة الضوء، فتظل حياته مهددة طوال الوقت، يخاف من كلماته العفوية أو من تصرف غير مقصود أو من ردة فعل عنيفة قد تصدر من البشر خوفًا علي صورته التي يعبث بها الآخرون.

مع الأسف الشديد لا يستطيع العديد من البشر أن يفصل بين المهنية والإنسانية، على سبيل المثال قد تجد ممثلًا متميزًا في عمله ذا موهبة حقيقية ولكنه في الحقيقة شديد التعصب لشيء أو ينتمي إلي تيار فكري معين، فيقضي عليه المتابعون علي الرغم من تميزه في عمله إلا أنه مع الوقت يتم الدمج بين مهنيته وحياته الشخصية وحريته في اختيار العقيدة والسلوك ويحاسب على النفس الصادر منه دون رحمة أو التماس للأعذار .

كذلك بعض المسئولين أو أصحاب المال تجد من يراقب أفعالهم بكل تحفز ليتصيد الهفوات ويفتعل المشكلات لإسقاطه على الرغم من نجاحهم في أعمالهم المهنية إلا أن ظاهرة الاستحواذ تظل تسطو على حياة الآخرين دون رحمة أو شفقة، ولو حكمنا عقولنا وفصلنا بين المهنية والحياة الشخصية سيرتاح الجميع، وسوف نستفيد من الكثير من الكوادر الحقيقية التي تعمل بحرفية مطلقة.

من أسوأ ما يتعرض له من أراد الاندماج مع المجتمع والعمل والشهرة هو الحبس مدى الحياة داخل إطار يصنعه البشر، وتسطو سطوة الأغلبية عليه فلا يجد سبيل أمامه إلا الهرب للحياة على الهامش بكامل حريته، أو الاستمرار داخل أروقة سجن البشر الذي لا تنتهي مدته ما دامت الحياة.

ads