ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

المَمَر‎

نهال علام

نهال علام

الجمعة 12/يوليه/2019 - 10:02 ص
لا مجال للشك في أن تاريخ مِصْر عظيم، بَدءًا من بصيص نور البشرية وإلى أن يشاء الله في ما يتعلق بمصير الإنسانية.

صِناعة التاريخ في مِصْر عادة، فموقع بلادنا جغرافيًا، ووضعها عربيًا ومكانتها أفريقيًا ودورها دوليًا وطبيعة أبنائها نفسيًا منحا مِصْر تلك الهبة ، أن تُشكِّل مصيرها بما يتوافق مع مصلحة أرضها وشعبها.

ولٰكن هذا التاريخ الجليل ظُلْم كثيرًا بسبب التأريخ العليل! 

لم يُنصَف إلا علي جدران المعابد وأوراق البردي، ميراثنا الحضاري من أجدادنا المصريين القدماء الذين بذلوا من الجُهد والوقت ما لا يتخيله عقل! تقديرًا لقيمةِ عِلمُهم وتوثيقًا لعمَلَهُم.

ومن زمن الأحجار لزمن الأحبار ،كُتب كثيرة سُطرت عن تاريخ مِصْر بها القليل من الحقائق، والكثير من إجتهادات الرأي ، شخصية الإنطباعات وفردية الهوي!

وكان الأمل في الفن السابع ، تلك الشاشة الفضية ذات التأثيرات السحرية، ولكن لم يتغير الحال فالأعمال الدرامية مُستقاة من ذاتِ الكتب التي تتشدق بالوطنية.


ومع إضفاء الصبغة الفنية من قصص الحُب الفاشلة ، ولوحات الرقص المُقحمة و اللت الزائد والعجن البائد، يُراق دم التاريخ بلقطات باردة !

ولأن التعميم هو إفتراض جائر، فقطعًا سنستثني بعض محاولات التأريخ الجادة من مقصلة التجريح الحادة! ولكنها تظل الشواذ في القاعدة السائدة!

ولكن فيما يبدو أن طولة البال تبلغ الأمل ، والصابر لن يعرِّف الندم، جاء فيلم " الممر" كشمس نهار صيفي متلألأة آتت بعد ليالي شتوية مُعتمة، لتجدد الأمل فيما سيأتي وتداوي ما أَلَمَ فيما مضي من تجاهل وسطحية شديدة في التعامل مع بطولاتنا الحافلة و تاريخنا الباهر.

بدأ الفيلم بالنقطة التي بَذَل السابقون كل ما يبرعون لتفادي ذِكرها، أو الإشارة إلي أثارها.

مرّت مرور اللئيم الذي يسرِق فرحة الكريم، تنهشُه تساؤلات بلا إجابات!

بدأ من نقطة النهاية مفرق الطُرق في كل حكاية،نُقطة تتبعها ألف نقطة،الصامدون يعتبرون أنها البداية، والمنهزمون يكتفون بحضنِ الهاوية!

جسد الفيلم ببراعة ما عرفَه التاريخ " بالنكسة" وما شَعَرَ الناس بأنه " وكسة"!

جائت الصورة حيّة، تضعك في خندق المقاتلين، تشعر بنيران الغدر تلحَف قلبك، ومرارة الموت في حلقَك.

أما أداء أبطال العمل فكان قادرًا علي أن يجعلك تُشاركهم بعثرة شتات العقل و سقوط أعمدة النفس فوق رأس عقيدتك ومبدئك، صدمتك في المقربون، افتقادك للراحلين، حُزنك علي مصير الباقون، عدم فَهمك لما آلت إليه الأمور، من قلب قوتك يُولَد ضعفك، ضحكة مبتورة وعين مكسورة ودمعة محسورة ومشاعِر محظورة!

من الإنكسار إلي الإنتصار "ممر " من الإرادة و العزيمة والتضحية والإيثار والصبر والقوة والإيمان و الإصرار والتحدي.

لنعبر بَرْزَخنا الدنيوي بسلام تلك هي التعويذة، صعبة مما لا شك فيه ولكنها ليست مستحيلة ، لذا لا يعبُر إلا من آتي الله بقلبٍ سليم.

مِصْر عَبرت هزيمة ٦٧ عندما قرر هذا الشعب عبور "الممر " لذا إنتصرنا، وها نحن مرة أخري أمام نفس "الممر " ولكن العدو أشرس، فهو ليس بهذا العدو الموجود على الجبهة، أنه عدو يأكل عيشك وملحك ثم يطعنك في ظهرك! لذا فالأمر أمرَك!

هذا ما نحن بحاجة إليه من الدراما والسينما ( الرسالة)، فنفس الجمهور الذي ذهب سابقًا لمستوي هابط من الفن قُدِّم له بحجة " الجمهور عايز كده" !

هو من تكبد عناء الانتظار في الطوابير لساعات للحصول علي تذكرة سينما.

طبيعة النفس البشرية أن تبحث عن ما يعوض نقصها، وكلنا في محراب الحياة نعاني الإنكسار بدرجة ما ، ودور الفن أن يُساعد في التئام تلك الجروح.

الممر⁩ ليس مجرد فيلم تُشاهده في فراغك! بل هو من يُشهِد فراغك عليك!

‏أبكاني حد الشحتفة و أضحكني حد القهقهة و آلمني حد الوجع وأسعدني حد الفرح.

لكنه قلقني حَد الأرق! عندما هاجمني سؤال فكادت إجابته تودي بي من الخوف، هل لو كان لمواقِع التواصل الإجتماعي وجود في وقت تلك الحرب كنّا إنتصرنا؟ أم اكتفينا بالشكوي من وراء الشاشات والولولة علي السلبيات والتنظير الفاضي علي كل الإستراتيچيات، وخلط أوراق الأولويات؟