ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمد صبري
AdvertisementS
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
Advertisements

إبراهيم عطيان يكتب: مثلث برمودا الجزء الخامس‎

الخميس 28/نوفمبر/2019 - 09:01 م
صدى البلد
Advertisements
تمر الأيام والأسابيع والأم الجريحة تنتظر الوقت الذي ترى فيه أو تسمع ما يسُرُ قلبها ويشفي غليلها بعد استشهاد وحيد وإصابة والده التي أدت إلى عجزه.

تلك الإصابة لم تحبط الأب، وهذا العجز لم يكن مصيبته، لكن المعاناة التي ربما تعصف به تكمن فيما يراه من تكاسل للأجهزة الأمنية عن أداء واجبها، أو عجزها عن ردع الإرهاب والقصاص له ولولده الوحيد.

ما يفتقده الأب الحزين وتنتظره الأم المكلومة وتمني النفس به ينتظره الجميع من آباء وأمهات هذا الوطن الجريح الذي فقد خيرة أبنائه في معركة هي الأعنف والأخبث من حيث الهدف، فالإرهاب يسلب نعمة الأمن والأمان من الحياة المجتمعيّة، ويخلق أجواء من التوتر والخوف بين أطيافه؛ ليتمكن من بسط سيطرته معنويًا والترويج لفكرة عجز الدولة وإخضاعها.

تلك هي الفكرة التي نعتقد أنه جاء من أجلها تمهيدًا للمرحلة الأخطر والتي لا نستبعد أن تكون التدخل الغربي بحجة محاربة الإرهاب، بينما الغرب في الحقيقة لا يبتغى سوى تفتيت الدولة.

حدثت هذه المحاولات كثيرًا ومازالت تحدث إلى الآن بعد مرور أشهر على تلك الحادثة وما سبقتها من حوادث وهجمات دامية دون أن تقوم الدولة برد ملموس يشفي صدور أبنائها، ويبث الطمأنينة في نفوسهم التي باتت مضطربة بعد مرور أشهر على تلك الحادثة، وما تلاها من أحداث مؤلمة.

ولكن ذلك لم يفقد الدولة التركيز على ما هو أبعد من ذلك بكثير وإجبار العدو على التراجع عن أفكاره في تمزيق نسيج الدولة وإفشال مخططاته، لكننا لا نعتقد أنها ستكون أخر المحاولات.

هنا يبقى السؤال الأهم مطروحًا في كل وقت يتردد على كافة الألسنة:
إلى متى سيظل الإرهاب حاضرًا في كل المناسبات - يهدد استقرار البلاد ويحصد أرواح العباد دون تمييز؟
الحالة الاقتصادية الصعبة التي يمر بها المصريون، ويعاني منها الجميع على اختلاف طبقاتهم بعد انقضاء موسم الثورات في الوطن العربي وانتهاء موجة التظاهر، وازدحام الميادين لن تمنعهم من الاهتمام بشأن الوطن والتعبير عن قلقهم .

فقد أظهرت تلك المواقف الصعبة معدن المصري الأصيل، ففي العاشرة من مساء يوم الخميس يجلس مجموعة من أبناء الحي الشعبي على مقهى يتبادلون أطراف الحديث حول الظروف التي تمر بها البلاد.

كما هي العادة دائمًا يكتظ الشارع بالمارة والباعة، يتبادل الجميع التحايا فيما بينهم.
أصوات الألعاب النارية والاحتفالات ممتزجة بصياح الأطفال تملأ الآذان عند إحراز هدف بين حجرين، وأكواب الشاي بعد الإفطار في سهرة رمضانية بعد الإنتهاء من صلاة التراويح تزيِّن شرفات المنازل بين الأيادي الناعمة.

بينما تعرض إحدى القنوات بعض المشاهد والصور الأرشيفية لضحايا الإرهاب ينظر أحد الجالسين إلى ما يشاهده في التلفاز وما يراه الآن على أرض الواقع من ألفة بين أبناء الحي متسائلًا:
هل يستحق هذا الشعب الطيب كل هذا؟
والله يا جماعة احنا شعب طيب.
معقول اللي بيخربوا ويقتلوا دول ناس مننا؟!
اللي بيعمل كده مش ممكن يكون مصري ولا تربى في وسط الناس الطيبة دي، ولا أكل من أكلنا ولا شرب من نيلنا.

يجيبه الرجل البسيط صاحب البشرة الشقراء و الشعر الأبيض عم فرج سائق التاكسي والقاطن بنفس الشارع:
هو احنا هنفضل على الحال ده كتير ولا إيه يا جدعان؟
الناس مبقتش مستحملة ولا فاهمة حاجة
كل شوية تسمع أخبار وكل خبر عكس أخوه.
حتى الزبون من دول يركب التاكسي يشوف الأرزوقية والبياعين في الشارع يشغل الأسطوانة، اللي يقولك ناس غلابة وبتاكل عيش.
واللي بعده يقولك هما دول اللي خربوا البلد بجهلهم!!
واللي وراه يقول هو إيه اللي ضرب السياحة غير الأشكال دي!
وأهي دايرة كل يوم بالشكل ده - ميصدقوا يلاقوا حاجة عشان يطلعوا العقد اللي جواهم.
أنا مبقتش عارف الناس الحلوة بتاع زمان راحت فين
زمان كنا بنتعب والدنيا كانت صعبة برضه يمكن أكتر من دلوقتي
بس كنا بنضحك وبنحب بعض، مفيش فرق بين مسلم ومسيحي
سلفي ولا إخواني ولا حزب وطني. كنا مصريين وبس. 

ثم ينظر لشاب يجلس بجواره فيسأله عن شيء في يده قائلًا:
وإيه اللي معاك ده يا أستاذ بهيج؟ بيانو مش كده؟
يجيب بهيج وقد ارتسمت على محياه ابتسامة يشوبها الحزن:
لا يا عم فرج مش بيانو ، دا اسمه عود.
عم فرج: طيب يا سيدي ميهمش إذا كان عود ولا بيانو،
المهم إنه بيعمل مزيكا تفرح الناس دي وتخرجهم من الهم ده.
ولا دا كمان مبقاش زي الأول؟!!
بهيج: حاضر يا عم فرج، ثم يحمل العود بيده اليسرى،
ويبدأ في العزف والغناء مخاطبًا أبناء وطنه بلسان مصر قائلًا:
يا ولادي قوموا متخافوش أنا مش هموت ولا هنحني
مش عايزه أشوف دمعة في عيونكم تهدني وتذلني
أنا مش ضعيفة ولا بخاف، وولادي أقوى من الزمان
ازاي هتبكي يا جدع ودم أخوك عالأرض سايل
أنا عايزه تاره متسيبوش، خلي الدموع دي للضعاف
شايف أخوك؟
شهيد بيضحك بعد موته، وضحكته بتبعت رسايل
لكل خاين باع ضميره

بيقول لهم:
أنا مش لوحدي أنا عندي ناس تاخد بتاري
ومكاني في الجنة محجوز بإسمى وفي انتظاري
أما اللي خان بلده وباعها بالرخيص واستقوى على أهله وناسه
ورفع سلاحه في وشهم، ونسي إنه واحد منِّهم
دارت عليه الدايرة لما السُّوق خلص، والبيعة طلعت مش تمام
لا دنيا عاش فيها كريم ولا آخرته هتكون نعيم.

وفي الصباح نرى علم جمهورية مصر العربية يرفرف عاليًا فوق واجهة بناء ضخم على أرض قاهرة المعز عاصمة الأمن.
هذا البناء المهيب به مجموعة ضباط من أصحاب القدرات الخاصة والخبرات العالية في التحليل والاستنباط وجمع المعلومات من كل مكان وتوظيفها لصالح الوطن.

[ إنه مبنى المخابرات العامة المصرية ]

- الضابط ياسين متوسط الطول قصير الشعر هادئ الطباع
قليل الكلام لكنه نشيط الحركة يدق باب أحد المكاتب في هذا البناء، ثم يدخل ملقيًا التحية على اللواء سليم.
رئيسه المباشر في العمل قبل أن يبدأ في الحديث قائلًا:
كله تمام يا افندم.
المهمة تمت بنجاح والحمد لله.
- يرد اللواء سليم مبتهجًا والسعادة في عينيه: تمام.
وهم فين دلوقتي يا ياسين؟
- في الرعاية زي مـ سيادتك أمرت بالظبط يا افندم.
اللواء سليم : ورجالتنا أخبارهم ايه يا ياسين؟
ياسين : كلهم بخير يا افندم.
اللواء سليم مرتكزًا بمرفقيه على المكتب ثم يضع كفيه على وجهه قائلًا : الحمد لله، عاشوا الرجالة.
ثم ينظر مليًا في وجه مساعده ياسين قائلًا:
أنت طبعًا تعرف يا ياسين إن ثقتي في رجالتي كبيرة جدًا،
لكن مش هخبي عليك المرة دي بالذات كانت صعبة.
ياسين : كنت خايف من الفشل يا افندم؟
يلتقط اللواء سليم أنفاسه بعمق ثم يقول:
المهمة دي بالذات مينفعش فيها الفشل يا ياسين؛ لأنها لو فشلت كانت هتعطلنا عن تنفيذ المهمة الأكبر اللي بنجهز لها.
ياسين : عشان كده سيادتك أجلت ميعاد التنفيذ أكتر من مرة
وكنت حريص جدًا إن التعليمات تتنفذ بالحرف الواحد؟
اللواء سليم : فعلًا هو ده السبب.
ياسين : لكن اللي نفسي أعرفه ليه سيادتك كنت مصمم على التوقيت ده بالذات وراهنت على نجاح العملية في الوقت ده؟
اللواء سليم مبتسمًا : هتعرف كل حاجة بس في وقتها.
يلا بالسلامة أنت دلوقتي يا ياسين،
روح شوف شغلك يا حضرة الظابط بس متمشيش عشان عايزك.

ثم ينهض اللواء سليم واقفًا فيبدو طوله الفارع وجسده الممشوق مرتديًا بدلة سوداء وحول عنقة رابطة عنق بلون علم الجمهورية المصرية، موجهًا نظره صوب سطح مكتبه، فتلمع عيناه من خلف نظارته التي لا تفارق وجهه، وقد ظهر ثغره الأبيض إثر ابتسامة رضا بنجاح العملية دون خسائر كما تمناها وتم الإعداد لها من قبل.
ثم يلتقط اللواء هاتفه من فوق المكتب قبل أن ينتقل إلى أريكة بجوار المكتب والسعادة تبدو على وجهه الخمري قائلًا:

مبروك يا افندم، الحمد لله العملية تمت بنجاح وعلى أكمل وجه.
- ثم يرد قائلًا : يا افندم كله بتوجيهات سعادتك.
وما هي إلا لحظات حتى انتهت المكالمة الهاتفية،
لكن البسمة مازالت تكسو وجهه وعيناه تدور يمينًا ويسارًا
قبل أن يُسقط الهاتف في جيبه ويبدو عليه التفكير في شئٍ ما،
ثم عاد اللواء إلى المكتب ليلتقط حافظة ورقية من درج مكتبه، بها بعض الصور فدقق فيها النظر جيدًا الواحدة تلو الأخرى،
قبل أن يدق الجرس ليأتي حارس المكتب الخاص به من الخارج.
- أوامرك يا افندم.
خليهم يا فتحي يجيبولي شاي وشوفلي الظابط ياسين فين .

Advertisements
AdvertisementS