AdvertisementS
AdvertisementS

ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمد صبري
AdvertisementS
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
Advertisements

أمي.. جارة الله

مايكل عياد

مايكل عياد

السبت 11/يناير/2020 - 02:50 ص
وكأنني فقدت الهوية والإيمان والعقيدة والهدف، كمن يأس وفرّ من بين يديه الشغف والمعنى والحلم، بتُ خاويًا كمن وُلد رخويًا، زاغت عيناي بالحياة دون سبيل، تناثرت حولي رائحة اللامبالاة، زُرعت بعالمٍ موازٍ بجوار يومي، فأمي التي خسرتها منذ أيام كانت علاقتي بها شديدة التفرّد والعظمة، مُكتظة بالحكايات، علاقة أجزم أنني شخص محظوظٌ في الدنيا كوني أحد أطرافها، ليس أنا فحسب، بل وأبي وأخوتي أيضًا وكل من عاصرها.

في معرض حديثي سابقًا عن الموت، كنت أذكر دومًا أنني أصبحت لا أهابه ولا أخشاه، قُلت بعظمة لساني أنه عقب رحيل أبي بات الموت شيئًا نكرة، لا قيمة له أمام عينيّ، ولكني اليوم أكسر تلك العظمة التي قالت، وأقيِّمه مُجدّدًا شامخًا أمام عينيّ بل وأنا من أصبح نكرة أمامه، وذكرت أيضًا عند رحيل والدي أن الموت اقتنص دلاية العُقد، ولكني الآن أري حبّات العُقد ذاته مُنفرطة، والمؤلم في الأمر أن جمع حبّاته لن يكون إلا بمزيد من الفرط لبقية الحبّات.

لست هنا الآن لأُعدِّد مزايا الراحلة، فوالله لا يكفي، إلا أنني هنا الآن لأخبرك أنني منذ رحيل أمي وأنا أخشى الكتابة، أخشى القراءة، أخشى الحياة، منذ رحيل أمي وأنا أخشى نفسي، وأسئلتي، ونظرتي المُختلفة للأمور، فلم يُصبح الوضع يحتمل مزيدًا من الخلل، هجرت الموسيقى والتأمل، فارقتني البسمة، استسلمت لوسادتي، سعيت لقتل الوقت كأنني فريق مُنهزم بغلّة أهداف يتمنى لاعبوه سماع صافرة النهاية خشية المزيد من الأهداف والفضائح.

تمر اليوم ذكرى مرور 40 يومًا على رحيل أمي، الوقت ثقيل، والحزن يُخيّم، والقلب مُنكسرٌ، والاعتكاف سبيل، بِتُ أتلاشى كلمات التعازي، والرد على الهاتف، ونظرات الآخرين التي تتفحص اختلافي، هويت الحيرة والانفراد بذاتي، تفوّقت في الانعزال والعزوف، إلا أنني مازلت حتى الآن قابعًا بين سؤالٍ وحيدٍ، أأسقط كي يرى الكون عظمة أمي في سقوطي، أم أقيِّم نفسي كما كانت هي حتى يُشبِّهني الناس بها !!، وعلى الرغم من صعوبة السؤال إلا أن الإجابة دومًا ما كانت مُتجليِّة وواضحة وضوح الموت الذي ذُقناه فيها.

فكفّة أمي دومًا ما تغلب، كما كان الحال إبان كان جسدها هنا، وهذا يعني الانتصاب وحسب، الشموخ وفقط، القوة والجَلد والصمود والكفاح والجبروت، العظمة والجسارة وأن تكون مُحاربًا مغوارًا، يعني ذلك أن تكون صبورًا ومعطاءً وباذلًا، قويًا وصلدًا وكاسرًا، يعني ذلك أن تكون واضحًا وقاطعًا ونادرًا، يعني ذلك أن تُواصل وأنت مظلومٌ، أن تُعطي وأنت في أشد الحاجة، أن ترفع هامتك دومًا وإن كان كل من حولك أذلة، أن تترفع وتزهد وتتفانى من أجل الآخرين.

يعني ذلك ألاَّ تكل، ولا تلتفت، تُواصل الزرع دون حصاد، تسقي الشجيرات دون ثمر، أن تقول الحق وإن كان أسلوبك مُنفر وصوتك مالح على مسامعهم، يعني ذلك أن يظل في أذنك يتردّد كلماتها لك بلهجتها الصعيدية وهي تعضدك "ربنا يجعل جَلمك ماشي في الكتابة، يفتحلك باب ما عليه بوّاب، إعمل المليح ولا تعمل الصح، وروح يابني، يُشقلك في البحر طريق" أن تدعي لها بذات الدعوة التي كانت تدعوها لوالدي عندما تتذكّره وتستحسن تصرفاته بعد أن فارق الحياة وتقول "روح يا عيّاد، ربنا يبل ريقك في السما".

حتى لا أطيل عليك.. كانت أمي، قلمي في الكتابة، وكراستي في المدرسة، وسلاحي في الجيش، كانت صلاتي في الكنيسة، وقدمي في الطريق، وصوتي في الغناء، كانت فُلكي والدنيا طوفان، مررنا سويًا بأزمات كبرى وعبرناها بفضلها بعد الله، كثيرًا كانت أمي أنا والدور حان الآن أن أكون أنا أمي، ارقدي في سلام...
Advertisements
AdvertisementS