الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

عبد المعطى أحمد يكتب: فى ذكرى سعد والنحاس

صدى البلد

ثلاثة من أكبر واشهر زعماء حزب الوفد رحلوا فى شهر أغسطس، وفى سنوات متباعدة من اول الربع الثانى للقرن الماضى وحتى رأس الألفية الثانية ، شهد الوفد خلال  تلك السنوات حالات من المد والجزر ، وكثيرا من العواصف السياسية التى كادت تطيح به أو على الأقل تجعله يتوارى ويخفت حد الانطفاء مع تجليات الحياة السياسية وتقلباتها.


يصادف وفاة الزعيمين سعد زغلول ومصطفى النحاس يوم 23أغسطس، إذ توفى سعد عام 1927 والنحاس 1965، فى حين توفى فؤاد سراج الدين يوم 9أغسطس 2000
والتذكير بقامات كبيرة مثل سعد زغلول والنحاس وسراج الدين  مسألة مهمة، ورسالة مطلوبة، ليس فقط للشباب ، ولكن لكل القوى الوطنية  وما يجب  عليها نحو قضايا الوطن والارتقاء به.
وقد استوقفنى بشدة هذا الانتباه المبكر من جانب النحاس باشا إلى أهمية وخطورة الفن فى معركة الإصلاح الاجتماعى، وانه من الخطورة بمكان الصمت أو "الصهينة" على حالات العبث بالذوق العام أو الهبوط إلى مستويات فى التعبير حتى فى الأغانى خاصة من جانب النجوم فى المجتمع.
لفت نظرى واقعتان للنحاس باشا مع كبار نجوم الفن والغناء ، ورغم العلاقة الوطيدة وحالة التعلق القلبى والحب للفنانين بالنحاس باشا ليس فقط لأنه رئيس الوزراء فى ذلك الوقت ، ولكن لكونه زعيما وطنيا وشخصية لها وزنها وتأثيرها فى المحافل الدولية والداخلية أيضا.
النحاس باشا كان يغضب بشدة لأى حالة انتهاك للقيم وإخلال بالذوق العام، ولايجد أدنى حرج فى عتاب وتوبيخ من يقوم بذلك، ويلقنه الدرس الواجب له وللأجيال المقبلة فى الحفاظ على القيم والحرص عليها.
الفنان الكبير وموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب رحمه الله كانت تربطه علاقة  وثيقة مع النحاس إلا أنه تعرض لتوبيخ شديد فى حفل عام من الزعيم، ولعله من أصعب المواقف التى لم ينسها طيلة حياته، ونبهته إلى ضرورة أن يتفحص كل بيت يغنيه وكل كلمة ينطق بها.
وقد روى عبد الوهاب بنفسه الحوار العاصف الذى دار بينه وبين النحاس باشا رئيس الوزراء وزعيم الوفد، فقد دعى لحضور مناسبة  فى أحد فنادق القاهرة الكبرى وعندما لاحظ عبد الوهاب وجود النحاس فى الحفل أسرع لتحيته، ويقول عبد الوهاب: سارعت بالسلام على الباشا، لكنه رفض أن يمد يده إلى، وأشاح بوجهه عنى وقال بغضب: أنا لا أصافح المائعين! وهنا شعرت بدوار، ولكننى تمالكت نفسى وقلت له:ليه ياباشا؟ قال: لأنك مائع مش أنت اللى بتغنى "مسكين وحالى عدم من كتر هجرانك ..يااللى تركت الوطن والأهل علشانك"؟
أيوة ياباشا، فصرخ الباشا:إزاى تسيب وطنك علشان بنت؟ أنت ماعندكش رجولة؟ ماعندكش كرامة وماعندكش وطنية، بنت زى اللى بتحبها بتخليك أنت محمد عبد الوهاب ابن الشيخ عبد الوهاب محمد الشعرانى تصير مسكينا وتهجر وطنك وتسيب أهلك علشانها؟
الحكومة لازم تمنعك من غناء الموال ده، وانت ممنوع تغنيه بعد اليوم فاهم.!
يقول عبد الوهاب: أسقط فى يدى لأن النحاس باشا كان يؤنبنى  أمام جميع الحاضرين، ومعظمهم من كبار الشخصيات  وكرام الأسر وسيدات المجتمع ، فتركت الفندق وعدت إلى غرفتى وطفقت أبكى كالأطفال!، ولكننى بعد أن خلوت إلى نفسى وجدت أن ماقاله لى النحاس باشا كان صحيحا، إزاى أهجر وطنى وأهلى من أجل امرأة؟ إن الرجل  يجب أن يظل رجلا فى جميع الظروف، والتخنث والميوعة والبكاء لاتليق برجل مهما استبد به العشق والحرمان والعذاب. ومن يومها وأنا أراعى الدرس القاسى الذى لقنه إياه مصطفى النحاس ولم أعد مسكينا حالة عدم، بل أصبحت موسيقيا ينحر قلبه إذا ماأحس ذلا.
حدث ذلك رغم العلاقة الوطيدة والصداقة بينهما، فعبد الوهاب هو المطرب الوحيد الذى أحيا حفل زفاف النحاس على زينب الوكيل.
التوبيخ الأكبر والأشد قوة كان من نصيب الفنان الكبير فريد الطرش عندما غنى أغنيته الشهيرة "ياعوازل فلفلوا" التى ألفها أبو السعود الإبيارى فى فيلم"آخر كدبة"، واعتبر النحاس باشا ان كلمات مثل "فلفلوا" هابطة، ولايصح أن تقال، وأنها مسيئة ومهينة للذوق، وعندما قابل النحاس فريد الأطرش وبخه، وذكره بواجب الفنان فى الحفاظ على الذوق العام والارتقاء به.
إن إحياء ذكرى العظماء والكبار فى المجالات كافة مسألة فى غاية الأهمية لعل وعسى أن تنبت الأرض من جديد جنات ونستمتع بحب الحصيد.