في لحظة إقليمية بالغة التعقيد، يعود الشرق الأوسط مجددًا إلى واجهة الاحتمالات المفتوحة على التصعيد، وسط تآكل واضح لمسارات التهدئة وتراجع فرص الحلول الدبلوماسية، في ظل احتدام المواجهة غير المباشرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
وفي خضم هذا المشهد المضطرب، تتكبد طهران خسائر متلاحقة في دوائر نفوذها الإقليمية، سواء على مستوى الأذرع العسكرية أو في نطاق الحضور السياسي، بالتوازي مع تفاهمات دولية وإقليمية آخذة في التشكل، تعيد رسم خرائط النفوذ والتحالفات في المنطقة، وتطرح معادلات جديدة تتجاوز منطق الصراع التقليدي.
تفاهمات تلوح بإعادة ضبط الإيقاع الإقليمي، لكنها في الوقت ذاته تحمل في طياتها بذور انفجار محتمل، في حال فشل الأطراف في احتواء التصعيد أو إساءة تقدير كلفة المواجهة.
وبين ضغوط أمريكية متصاعدة، وتحركات إسرائيلية تتسم بجرأة غير مسبوقة، ومناورات إيرانية تسعى للحفاظ على خطوط الردع ومنع تآكل مكانتها الإقليمية، يبرز التساؤل الأهم: هل تقف المنطقة على أعتاب مواجهة شاملة قد تعيد تشكيل الشرق الأوسط سياسيًا وأمنيًا، أم أن سقف التصعيد سيظل مضبوطًا عند حدود الحرب غير المباشرة؟.
خبير سياسي: خسائر إيران الإقليمية تسرع سيناريو المواجهة مع أمريكا وإسرائيل
قال الدكتور عبدالله نعمة، أستاذ العلاقات الدولية والباحث والخبير الاستراتيجي، في تصريحات خاصة لموقع صدى البلد إن منطقة الشرق الأوسط تشهد خلال الفترة الحالية تصعيدًا غير مسبوق في التوترات بين إيران من جهة، وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، في ظل أزمة إقليمية تتجه نحو مزيد من التعقيد.
وأوضح نعمة أن ملف غزة، بعد التفاهمات والاتفاقات التي جرت مؤخرًا، وعلى رأسها ما يعرف باتفاق شرم الشيخ، أسهم في تخفيف حدة الصدام المباشر بين الفلسطينيين وإسرائيل، الأمر الذي أفقد إيران أحد أبرز مبررات تصعيدها السياسي والعسكري ضد تل أبيب، ودفعها إلى رفع سقف العداء المباشر مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأشار إلى أن إيران تكبدت خلال الفترة الماضية خسائر استراتيجية واضحة في عدد من ساحات نفوذها الإقليمية، لافتًا إلى أن حزب الله في لبنان تعرض لضربات أثرت على بنيته وعلى بيئته الحاضنة، بالتزامن مع تراجع الدور الإيراني في اليمن بعد النجاحات العسكرية السعودية الأخيرة، وانسحاب الإمارات من المشهد هناك، ما شكل ضربة مباشرة للحوثيين والداعمين لهم.
وأضاف أن التطورات في السودان كشفت أيضًا عن تحولات مهمة في موازين القوى، مشيرًا إلى أن هناك تنسيقًا إقليميًا بين مصر والسعودية وتركيا ساهم في إنهاء نفوذ قوى مدعومة إماراتيًا، وهو ما يعكس تغيرًا واضحًا في خريطة التحالفات داخل المنطقة.
الهلال الشيعي في مرحلة انحسار والنفوذ الإيراني يتآكل
وأكد نعمة أن ما يجري يعكس وجود تفاهمات غير معلنة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وكل من الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي والرئيس التركي، لإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط، معتبرًا أن ما يعرف بـ"الهلال الشيعي" بات في مرحلة الانحسار، وأن النفوذ الإيراني يشهد تراجعًا ملحوظًا في معظم ساحات المنطقة.
وفيما يتعلق بالملف النووي، أوضح أن المفاوضات بين واشنطن وطهران وصلت إلى طريق مسدود منذ أكثر من 30 شهرًا، وهو ما انعكس سلبًا على حلفاء إيران في عدد من الدول العربية، من العراق ولبنان إلى سوريا وغزة واليمن، مشددًا على أن هذا الانسداد السياسي يفتح المجال أمام خيارات أكثر خطورة.
وأضاف أن الإدارة الأمريكية تسعى للسيطرة على مصادر الطاقة في المنطقة، موضحًا أن الرئيس الأمريكي يعتبر النفط الإيراني والفنزويلي جزءًا من مشروع استراتيجي أوسع، يهدف إلى الضغط على الصين وروسيا ومنع تمددهما في الشرق الأوسط، لافتًا إلى أن هذا التوجه يحظى بقبول أوروبي واضح.
وحذر نعمة من أن احتمالات إنهاء النظام الإيراني باتت مطروحة بقوة، في ظل الضغوط الداخلية المتمثلة في الاحتجاجات الشعبية، والضغوط الخارجية السياسية والعسكرية، مؤكدًا أن السياسات الإيرانية الخاطئة في الإقليم أسهمت في تعزيز هذا السيناريو.
وأشار إلى أن المنطقة وصلت إلى مفترق طرق حاسم، فإما أن تدخل إيران في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، أو تخضع لشروطهما السياسية، موضحًا أنه في حال اندلاع الحرب، فإن لبنان قد يكون إحدى ساحاتها المحتملة، سواء عبر تصعيد من الجنوب أو من خلال استهداف مباشر لحزب الله.
تراجع الدبلوماسية وارتفاع احتمالات الحرب في الأيام المقبلة
واختتم الخبير الاستراتيجي تصريحاته بالتأكيد على أن الجهود الدبلوماسية ما زالت تُبذل لتجنيب لبنان ويلات أي مواجهة عسكرية، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأن المسار الدبلوماسي يضيق بشكل متسارع، في ظل التصعيد المتبادل بين واشنطن وطهران، محذرًا من أن أي شرارة صغيرة قد تشعل حربًا واسعة في المنطقة خلال الأيام المقبلة.