يا عزيزي، إنَّ العقيدةَ ليستْ أحجيةً منطقيةً ولا هيَ طلاسمُ فلسفيةٌ تحتاجُ إلى فكِّ شفراتِها في غرفِ التبريدِ الفكريِّ، بلْ هيَ الفطرةُ التي فطرَ اللهُ الناسَ عليها؛ نبضةٌ في القلبِ، ونورٌ في البصيرةِ، ويقينٌ يسري في الروحِ سريانَ الدمِ في العروقِ. إنَّ العقيدةَ الإسلاميةَ -يا صاحبي- واحدةٌ لمْ تختلفْ منذُ أنْ وطئتْ قدما آدمَ الأرضَ حتى يرثَ اللهُ الأرضَ ومَنْ عليها؛ إيمانٌ باللهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ واليومِ الآخرِ، وتسليمٌ بموازينِ الجنةِ والنارِ والحسابِ، وإذعانٌ للقضاءِ والقدرِ. هذا هوَ الهيكلُ العظيمُ الذي يجمعُ شتاتَ الأمةِ، أما ما نراهُ اليومَ منْ صراعاتٍ مريرةٍ تحتَ مسمياتِ "علمِ الكلامِ" وتفصيلاتِ التفسيرِ، فما هوَ إلا إقحامٌ للعقلِ البشريِّ القاصرِ في غيبياتٍ لا يدركُ كنهَها إلا خالقُها.
تأملْ معي في حالِ ذلكَ الرجلِ العاميِّ البسيطِ، الذي لمْ يقرأْ كتب علم الكلام مطلقا بلْ آمنَ باللهِ إجمالاً، ونسبَ لخالقِهِ كلَّ كمالٍ يليقُ بهِ، ونفى عنهُ كلَّ نقصٍ أوْ مشابهةٍ بخلقِهِ. هذا الإنسانُ الذي يعيشُ بفطرتِهِ ويحيا بصدقِهِ، إذا ماتَ، ألا يدخلُ الجنةَ؟ بلى وربي، يدخلُها برحمةِ اللهِ واتفاقِ المسلمينَ جميعاً. فلوْ كانتْ تلكَ التفسيراتُ المعقدةُ والتفاصيلُ التي يختصمُ فيها "المتكلمونُ" هيَ صلبَ العقيدةِ، لكانَ الإيمانُ حكراً على النخبةِ، ولجازَ القولُ إنَّ العامةَ خارجَ دائرةِ الإسلامِ، وهذا لعمري هوَ التيهُ بعينِهِ.
إنَّ المأساةَ الحقيقيةَ تكمنُ في أولئكَ الذينَ يحملونَ الناسَ على فهمِهِمُ الخاصِّ للآياتِ والأحاديثِ، وخاصةً "المتشابهَ" منها، فيجعلونَ منْ رؤيتِهِمُ البشريةِ قرآناً مُحكماً لا يأتيهِ الباطلُ منْ بينِ يديهِ ولا منْ خلفِهِ، ومَنْ خالفَ فهمَهُمْ فقدْ خالفَ العقيدةَ في زعمِهِمْ! لقدْ نصبوا أنفسَهُمْ أوصياءَ على كلامِ اللهِ، وادعوا أنَّ قولَهُمْ وحدهُ هوَ قولُ السلفِ، وهذا اختلاقٌ لا أصلَ لهُ في منطقِ النبوةِ. انظرْ إلى غضبةِ المصطفى ﷺ حينَ "خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَهُمْ يَخْتَصِمُونَ فِي الْقَدَرِ، فَكَأَنَّمَا يُفْقَأُ فِي وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ مِنَ الْغَضَبِ، فَقَالَ: بِهَذَا أُمِرْتُمْ، أَوْ لِهَذَا خُلِقْتُمْ؟ تَضْرِبُونَ الْقُرْآنَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ بِهَذَا هَلَكَتِ الْأُمَمُ قَبْلَكُمْ".
يا عزيزي، إنَّ هذا الغضبَ النبويَّ يضعُ النقاطَ على الحروفِ؛ فالعقيدةُ محلُّها التسليمُ والطمأنينةُ، لا الخصامُ والتحليلُ الذي ننزلهُ منزلةَ الفقهياتِ. الفقهُ مجالُ عملٍ يحتاجُ لتفصيلٍ، أما العقيدةُ فهيَ سكنُ الروحِ. وإنَّ ما يحدثُ الآنَ منْ إحياءِ هذهِ المعاركِ الكلاميةِ ليسَ غيرةً على الدينِ، بلْ هوَ "شرخٌ" متعمدٌ وجرحٌ قاتلٌ في جسدِ أمةِ محمدٍ ﷺ، يهدفُ إلى تمزيقِ وحدتِها وتفكيكِ مفاصلِها منَ الداخلِ. إنَّ القوى التي تتربصُ بنا تدركُ تماماً أنَّ هدمَ الرموزِ الكبرى كالإمامِ النوويِّ والغزاليِّ والجوينيِّ والعزِّ بنِ عبدِ السلامِ، هوَ هدمٌ لذاكرةِ الأمةِ الجمعيةِ. فإذا استطاعوا أنْ يقنعوا الصغارَ -ممنْ لمْ يخدموا الدينَ بشروى نقيرٍ- بأنَّ هؤلاءِ الأعلامَ "فاسدو العقيدةِ"، فقدْ أتموا المهمةَ بنجاحٍ، وتركوا الأمةَ بلا مرجعيةٍ ولا قدوةٍ.
أينَ نحنُ منْ صريحِ القرآنِ الكريمِ حينَ يقولُ ربي: (إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ) [الأنبياء: 92]، ويؤكدُها في موضعٍ آخرَ: (وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ) [المؤمنون: 52]. ألا يخشى هؤلاءِ منْ وعيدِ اللهِ: (إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِي شَيۡءٍۚ إِنَّمَآ أَمۡرُهُمۡ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ) [الأنعام: 159]. أمْ أنَّ الكبرَ والانتشاءَ بسلامةِ العقيدةِ الموهومةِ أنساهمْ قوله تعالى: (مُنِيبِينَ إِلَيۡهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ * مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ) [الروم: 31-32].
إنَّ نداءات علماء الأزهرِ بضرورةِ الاصطفافِ الدينيِّ والبعدِ عنِ التنابذِ والتكفيرِ هوَ طوقُ نجاةٍ أخيرٍ وهي صرخة مكلوم على المسلمين .
إنَّ هذهِ الفتنةَ التي جعلتِ "الصغارَ" يتطاولونَ على أئمةِ الهدى هيَ صناعةٌ أجنبيةٌ بامتيازٍ؛ لكيْ يقتلَ بعضُنا بعضاً في نهايةِ المطافِ، تارةً باسمِ الدفاعِ عنِ العقيدةِ، وتارةً باسمِ محاربةِ البدعةِ. يا أخي، لنتقِ اللهَ في أمةٍ جرحُها ينزفُ، ولنعلمْ أنَّ وحدةَ المسلمينَ هيَ الفريضةُ الغائبةُ التي تُقدَّمُ على كلِّ تأويلٍ بشريٍّ لآيةٍ متشابهةٍ. إنَّ الحفاظَ على وحدةِ الأمةِ هوَ قلبُ العقيدةِ وجوهرُ الإيمانِ.