لطالما كانت رائحة الحبر في شارع قصر العيني ميثاق الثقة، ليس لأن ورق الجرائد في حد ذاته مقدس، بل لأن ما وراءه عقولاً تمارس "الفرز والتحنيط" للخبر الصحفي قبل إطلاقه. واليوم، أصبحنا ننتقل تدريجياً من عصر المطبعة إلى عصر الشاشة، حيث لم تتغير قيمة الحقيقة، بل تغيرت سرعة تزييفها.
ومن هنا، تبرز خطورة ما يروج في "الغرف الرقمية والمجموعات المشفرة" - تلك الدوائر التي تقتات على الشائعات بعيداً عن أعين الرقابة المهنية؛ وخير دليل على ذلك ما شهدته المنصات منذ أيام قليلة من تداول لمقاطع "مفبركة" وتسجيلات صوتية مصنوعة بالذكاء الاصطناعي تزعم تسريب «خريطة الطاقة الجديدة» من كواليس (دافوس 2026)، لتؤكد لنا بشكل قاطع أن شتان الفارق بين «الصحافة المهنية» التي نعتبرها وسيلة مسؤولة عن كشف الزوايا الغائبة ونقل المعلومة الصحيحة، وبين «الأوهام البديلة» التي تبتدع واقعاً موازياً وحقائق معكوسة، لا وجود لها إلا على صفحات "السوشيال ميديا".
إننا لا نواجه مجرد خبر غير دقيق، بل نواجه حالة من "التلوث المعرفي" المتعمد، ولإثبات ذلك، دعونا نفند ثلاثة نماذج من "بالونات الاختبار" التي تصدرت "التريند" خلال الأيام الماضية:
أولاً: "خريطة دافوس المسربة" على منصة (TikTok): حيث انتشر مقطع فيديو "انفجاري" يظهر فيه أحد المخططين الاستراتيجيين - وهم الخبراء المعنيون برسم سيناريوهات المستقبل والسياسات الدولية - وأمامه شاشة رقمية تعرض خريطة للشرق الأوسط بحدود مموهة. والحقيقة أن هذا الفيديو يمثل ذروة التزييف؛ حيث استُخدمت فيه تقنية (Lip-syncing) أو "تزييف حركة الشفاه" لتركيب كلمات تحريضية لم يقلها المتحدث الأصلي مطلقاً، بينما الخريطة المعروضة ما هي إلا "جرافيك" مقتبس من لعبة إلكترونية مشهورة، تم دمجها لخلق حالة من الذعر القومي.
ثانياً: "تسجيل السيادة" على منصة (X): لم يتوقف الأمر عند حد الخداع "البصري"، بل امتد ليصل إلى «الآذان» عبر تسجيل صوتي نُسب إلى «كلاوس شواب» مؤسس منتدى دافوس، يروّج لخديعة "تدويل الموارد" تحت مسمى "تسجيل السيادة الدولية" - وهو مصطلح يجمع بين الدلالة القانونية والتضليل السياسي - زاعماً فيه نهاية السيادة الوطنية على آبار النفط لصالح إدارة عالمية. وهنا تبرز خديعة تقنية (Voice Cloning) التي تعمل على "استنساخ البصمة الصوتية" آلياً لإقناع المستمع بأن ملكية الموارد أصبحت في مهب الريح، وهي لعبة دنيئة تهدف لاستنزاف أعصاب الشعوب وقياس ردود أفعالها في ملفات الطاقة الحساسة.
ثالثاً: "وثيقة التقسيم" على منصة (Facebook): حيث انتشرت صورة لوثيقة ممهورة بختم "سري للغاية" تحمل شعار منتدى دافوس وتدعو لتهجير سكان مناطق الغاز لضمان أمن الإمدادات. وبنظرة فاحصة، نجد أن الوثيقة "لقيطة"؛ فهي مليئة بالأخطاء اللغوية الإنجليزية التي لا تقع فيها مؤسسة دولية، والختم ليس سوى "قالب جاهز" متوفر على تطبيقات التصميم، لكن بريق "السرية" جعلها تنتشر كالنار في الهشيم.
إن هذا "الغبار المعلوماتي" ليس عفوياً، بل هو نتاج غرف مظلمة تستخدم تقنيات "التزييف العميق" (Deepfake) التي تدمج الصور والوجوه بالذكاء الاصطناعي لخلق ذعر جماعي مصطنع. إنهم يتجاهلون أن الصراع الحقيقي هو صراع مصالح معقد، واتفاقيات بترولية وتوازنات قوى لا تُحسم بـ "بوست" تحفيزي أو مقطع وهمي.
ولأن التشخيص بلا علاج هو ضرب من العبث، لذا أضع بين يديك عزيزي القارئ هذه الروشتة الذهنية لفلترة ما يمر بعقلك؛ فالحصانة تبدأ بمصل "التشكيك الصحي"؛ أي أنه إذا كان الخبر يخاطب "عاطفتك" أكثر مما يخاطب "منطقك"، فاعلم أنك أمام فخ نُصب بعناية، لأن العاطفة هي الباب الملكي الذي يدخل منه المحتالون. كما أن الخبر الحقيقي له "أصل" ومصدر معلن، وتيقن بأن الحقيقة دائماً "بطيئة" لأنها تمر بمراحل التحقق، فإذا رأيت خبراً "انفجارياً" لم تتناوله المؤسسات الرصينة في ظرف ساعة، فتأكد بما لا يدع مجالاً للشك أنها "بالونة اختبار".
وأخيراً، دعنا نتفق بأن النجاة من فخاخ التضليل الرقمي تقتضي منا تنظيف «غرف الصدى» - وهي تلك السجون الرقمية التي تحبسنا داخل آرائنا المسبقة وتحجب عرض الحقيقة من زوايا أخرى فاعلة ومتخصصة، وإعمال «المنطق البارد» - بمعنى تحكيم العقل المجرد بعيداً عن صخب الانفعالات والعواطف، أمام كل ما هو مبهر بزيادة؛ فالتاريخ لا يتحرك بالقفزات الدرامية، بل بالتراكمات السياسية. كما أن إعمال العقل هو فعل المقاومة الحقيقي، حيث لا نحتاج إلى سفينةٍ للنجاة من طوفان الغبار، بل إلى «وعي نقدي» يعرف متى يغلق عينيه عن بريق الشاشات الخادع، ليفتح بصيرة عقله على نور الحقيقة.