يبدو أن العالم يتجه بثبات نحو نظام دولي أكثر تعقيدا وأقل استقرارا، حيث لم تعد القواعد القديمة كافية لضبط إيقاع الصراع بين الدول، فهل نحن أمام عالم تحكمه التوازنات والردع المتبادل، أم عالم يتجه نحو فوضى سياسية دولية تدار فيها الأزمات بالقوة
تحليلنا يمس جوهر التحولات الكبرى التي نشهدها اليوم.,
يبدو أننا نعيش في "فترة برزخية"؛ حيث النظام القديم (الذي تقوده الولايات المتحدة والقواعد الدولية لما بعد الحرب العالمية الثانية) يتآكل، بينما النظام الجديد لم تتشكل ملامحه النهائية بعد.
للإجابة عن السؤال، يمكننا تفكيك المشهد إلى مسارين متوازيين يتصارعان لتحديد شكل المستقبل:
1. مسار "توازن الردع الجديد" (الاستقرار الهش)
في هذا السيناريو، لا نتجه إلى فوضى مطلقة، بل إلى نوع من "الحرب الباردة المتعددة الأطراف".
تعدد الأقطاب: لم يعد العالم محكوماً بقطب واحد، بل بكتل قوية (الولايات المتحدة، الصين، الاتحاد الأوروبي، وروسيا) بالإضافة إلى قوى إقليمية صاعدة.
الردع التكنولوجي والنووي: يظل "الردع" هو الكابح الوحيد لاندلاع مواجهة شاملة. لكن الردع اليوم لم يعد نووياً فقط، بل شمل الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والاعتماد الاقتصادي المتبادل.
إدارة المصالح: القوى الكبرى تدرك أن الصدام المباشر يعني انتحاراً جماعياً، لذا قد نرى عودة لسياسة "مناطق النفوذ" حيث تحترم كل قوة مساحة الأخرى لتجنب الانفجار.
2. مسار "الفوضى المنظمة" (إدارة الأزمات بالقوة)
هذا هو الجانب الأكثر قتامة الذي أشرت إليه، حيث تصبح القوة الصلبة هي "اللغة الوحيدة" المفهومة:
تآكل المؤسسات الدولية أدى ضعف دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن الى تحويل هذه المؤسسات إلى منصات خطابية بدلاً من كونها أداة لفرض القانون، مما يشجع الدول على انتزاع مكاسبها "باليد".
الحروب بالوكالةجاءت بدلاً من المواجهة المباشرة، حيث تُدار الأزمات عبر صراعات إقليمية في دول ثالثة، مما يخلق حالة من السيولة الأمنية وعدم الاستقرار الدائم.
سلاح الاقتصاد حيث تحول الاقتصاد من أداة للتعاون إلى سلاح (العقوبات، سلاح الطاقة، سلاح الرقائق الإلكترونية)، وهو ما يزيد من حدة الصراع ويقلل من فرص الحلول الدبلوماسية.
إلى أين المفر؟!
نحن أقرب إلى "عالم تدار فيه الأزمات بحافة الهاوية". لن تكون فوضى شاملة لأن المصالح الاقتصادية والردع العسكري يمنعان الانهيار الكلي، لكنها لن تكون "توازنات مستقرة" لأن الثقة بين الفاعلين الدوليين في أدنى مستوياتها تاريخياً.
بمعنى آخر، نحن نتجه نحو عالم "الواقعية الفجة"، حيث القواعد تُكتب فقط من قبل أولئك الذين يملكون القدرة على فرضها على الأرض، وحيث الدبلوماسية لم تعد تهدف لحل المشكلات، بل الى "تجميدها" فقط .