في قلب البحر الأحمر، وعلى رقعة جغرافية صغيرة ذات أهمية استراتيجية كبيرة، كُتبت واحدة من أكثر صفحات الصمود تأثيرًا في تاريخ الصراع العربي–الإسرائيلي، جزيرة شدوان، التي قد تبدو للناظر مجرد نقطة معزولة، تحولت في يناير 1970 إلى ساحة اختبار حقيقية لإرادة المقاتل المصري خلال حرب الاستنزاف.
قبل أكثر من خمسة عقود، وتحديدًا مع الساعات الأولى ليوم 22 يناير، وضعت القوات الإسرائيلية الجزيرة تحت نيران مكثفة، في عملية عسكرية اعتمدت على التفوق الجوي والدعم البحري، سعيًا لفرض السيطرة على موقع بالغ الحساسية عند مدخل خليج السويس.
في المقابل، كانت قوة مصرية محدودة العدد والعتاد تتولى مهمة الدفاع، مدركة أن المعركة تتجاوز حدود الجزيرة إلى معركة كرامة وسيادة.
رغم شراسة القصف ومحاولات العزل الكامل، لم تنقطع شرايين الحياة عن شدوان، فقد لعبت مراكب الصيد دورًا حاسمًا في نقل الإمدادات والاحتياجات الأساسية، في مشهد يعكس تلاحمًا نادرًا بين القوات المسلحة وأبناء المنطقة، الذين خاطروا بحياتهم لكسر الحصار المفروض.
على الأرض، تصاعدت الاشتباكات بين وحدات الصاعقة المصرية وقوات مظلات إسرائيلية أُسقطت جوًا، لتدخل المعركة مرحلة أكثر تعقيدًا.
واستمرت المواجهات أيامًا شهدت قتالًا متلاحمًا، أظهر خلاله الجنود المصريون قدرة استثنائية على المناورة والصمود.
وفي خضم هذه التطورات، نجحت وحدات الدفاع الجوي في توجيه ضربة موجعة للعدو بإسقاط طائرتين حربيتين، ما قيّد حركة الطيران الإسرائيلي وغيّر موازين الاشتباك.
ورغم الفارق الكبير في الإمكانات والعدد، فشلت القوات المهاجمة في تحقيق أهدافها.
محاولات السيطرة الكاملة وقطع خطوط الإمداد اصطدمت بإصرار غير مسبوق من المدافعين، الذين رفضوا فكرة الانسحاب أو الاستسلام، وتعاملوا مع الجزيرة باعتبارها خط دفاع لا يجوز التفريط فيه.
ومع تدخل منظم من القوات الجوية والبحرية المصرية، بدأت ملامح الانسحاب الإسرائيلي في الظهور.
وفي 23 يناير، أُجبرت القوات المهاجمة على التراجع، بعد أن كثفت مصر ضرباتها على المواقع التي تسلل إليها العدو، وعززت وجودها العسكري في الجزيرة، لتُطوى صفحة الهجوم وتُسجل شدوان كإخفاق إسرائيلي واضح.
ويشير محللون عسكريون إلى أن التخطيط المحكم لإدارة هذا القطاع لعب دورًا محوريًا في نتيجة المعركة، خاصة في ظل القيادة التي تولّاها الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة آنذاك، والذي أشرف على وضع تصور دفاعي مرن لمواجهة محاولات التسلل والإنزال، وهو ما انعكس على قدرة القوات المصرية على امتصاص الصدمة ثم قلب الموقف.
اليوم، لم تعد معركة شدوان مجرد حدث عسكري عابر، بل تحولت إلى رمز وذاكرة جماعية. ففي كل عام، وتحديدًا في 22 يناير، تحيي محافظة البحر الأحمر هذه الذكرى باعتبارها عيدًا قوميًا، يستدعي تضحيات رجال حملوا السلاح دفاعًا عن الأرض، ورسخوا درسًا مفاده أن التفوق العسكري لا يكفي وحده لحسم المعارك أمام إرادة لا تعرف الانكسار.


