لم تتوقف المركبات الفضائية يوما عن الطواف بين مدار الأرض وأعماق النظام الشمسي، حاملة بصمة التكنولوجيا البشرية إلى الفضاء السحيق لكن لكل رحلة نهاية، ومع انتهاء العمر التشغيلي لهذه المركبات، تبدأ رحلتها الأخيرة نحو مصير محتوم الاحتراق في الغلاف الجوي أو السقوط في مقبرة كونية بعيدة تُعرف باسم «نقطة نيمو»، أبعد مكان على كوكب الأرض عن البشر، حيث تختفي بقايا الطموح الفضائي بعيدا عن الأنظار.
نقطة نيمو المقبرة السرية لهندسة الفضاء
تقع نقطة نيمو في جنوب المحيط الهادئ، وتُعد أبعد نقطة عن اليابسة على سطح الأرض، إذ تبعد نحو 2700 كيلومتر عن أقرب بقعة مأهولة، والمتمثلة في جزر دوسي وموتو نوي وماهر وبسبب عزلتها الشديدة، تحولت هذه المنطقة إلى مثوى نهائي لأكبر المركبات الفضائية في تاريخ البشرية.
المفارقة أن أقرب البشر إلى هذه النقطة ليسوا على الأرض، بل رواد محطة الفضاء الدولية عندما تمر فوقها أثناء دورانها الدوري وعلى مدى عقود، استقبلت نيمو حطام العديد من المركبات، من بينها ست محطات من أصل سبع لمحطات «ساليوت» السوفيتية بين عامي 1971 و1982، ثم محطة «مير» الشهيرة عام 2001، التي كانت آنذاك أكبر جسم صناعي يدخل الغلاف الجوي للأرض.
محطة الفضاء الدولية نهاية جوهرة الفضاء
منذ 2 نوفمبر عام 2000، ظل البشر يعيشون بشكل متواصل على متن محطة الفضاء الدولية، ما يجعلها أطول تجربة إقامة بشرية في الفضاء حتى اليوم. ورغم تمديد عمرها التشغيلي حتى عام 2030، فإن مصيرها قد حسم بالفعل، إذ من المقرر إخراجها من المدار عام 2031، لتسلك الطريق ذاته نحو الاحتراق والسقوط في مياه المحيط قرب نقطة نيمو.
وعلى الرغم من المخاوف البيئية، يؤكد الخبراء أن أكثر أجزاء المركبات سمية، وهو الوقود، لا يصل عادة إلى سطح الأرض بسبب احتراقه الكامل، فيما تتساقط غالبًا كتل معدنية من الألومنيوم أو الفولاذ، وهي أقل خطورة نسبيًا.
مصائر مختلفة من مدارات المقابر إلى التيه الأبدي
ليست جميع المركبات الفضائية قادرة على العودة إلى الأرض، خاصة تلك التي تدور في مدارات مرتفعة أو في المدار الثابت بالنسبة للأرض وللتعامل مع هذه «الأقمار الميتة»، تُستخدم ما يُعرف بـ«مدارات المقابر»، وهي مسارات بعيدة تُترك فيها المركبات لتتحلل ببطء أو تبقى كنُصب صامتة لمهام انتهت.
أما المركبات التي تعمل حول كواكب أخرى، فغالبًا ما تُترك في مواقعها، كما حدث مع «مارينر 9» أول مركبة دارت حول المريخ، أو تُستغل حتى لحظاتها الأخيرة لجمع بيانات علمية إضافية، كما فعلت مركبة «روزيتا» عند هبوطها على المذنب 67P.
وفي بعض الحالات، تُدمر المركبات عمدا لحماية البيئات الفضائية من التلوث، كما حدث مع «غاليليو» و«كاسيني»، أو لتنفيذ تجارب علمية جريئة مثل مهمة «DART» التي نجحت في تغيير مسار كويكب.
أما رواد الفضاء الصامتون في أطراف النظام الشمسي، مثل «فويجر» و«بايونير» و«نيو هورايزونز»، فمصيرهم مختلف تمامًا، إذ يواصلون رحلتهم إلى الأبد في الفراغ الكوني، بلا عودة شهودا خالدين على أولى خطوات الإنسان نحو النجوم.




