راعت الشريعة الإسلامية أحوال المرضى ورفعت عنهم الحرج في الصيام ، فأجازت أحكاما شرعية معينة للمريض في شهر رمضان من أجل الحفاظ على النفس لذا يتساءل عدد كبير من الناس عن حكم صوم من نهاه الطبيب عن الصيام وفي السطور التالية نتعرف على الرأي الشرعي للمسألة الفقهية.
متى يكون الصيام إثمًا؟
وفي السياق، أكدت دار الإفتاء، المريض الذي نهاه الطبيبُ الثقةُ المختصُّ عن الصوم في رمضان خوفًا عليه من الهلاك أو مضاعفات المرض يجب عليه الفطر، وإن صام فعليه المؤاخذةُ وإثمُ المخالفةِ والإلقاءِ بالنفس إلى التهلكة شرعًا.
وأضافت دار الإفتاء، في فتوى منشورة عبر موقعها الرسمي، أن المريض عليه قضاء الصوم بعد تمام الشفاء من المرض واستقرار حالته الصحية، موضحة أنه إذا كان مرضه مستمرًّا فيلزمه لفطره الفديةُ إطعام مسكينٍ عن كلِّ يوم، فإن لم يجد فلا شيء عليه.
واستشهدت دار الإفتاء على حكم صيام المريض الذي أمره الطبيب بالإفطار، بأن الشريعة الإسلامية جاءت بالتيسير ورفع الحرج وذلك بعموم قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، وقوله سبحانه: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6]، وقوله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾.
حكم من مات وعليه صيام بسبب المرض
وفي سياق آخر أكدت دار الإفتاء أنه لا شيء على من مات وعليه صيام بسبب المرض ولم يتمكن من القضاء؛ لأن من أفطر في رمضان بسبب المرض الذي يغلب على الظن الشفاء منه برأي أهل الطب المتخصصين، ثم مات في مرضه هذا، أو شفاه الله تعالى منه لكنه مات بعد ذلك مباشرة: فلا شيء عليه من صيام أو فدية؛ لعدم تمكنه من قضاء أيام الصوم التي أفطرها قبل موته، ولكونه غيرَ مخاطَبٍ بالفدية في حال مرضه هذا.
وأشارت إلى أن الصوم فريضة من فرائض الإسلام أناطها الله تعالى بالاستطاعة؛ فقد اقتضت رحمة الله بخلقه عدم تكليف النفس ما لا تطيق، ومن أجل ذلك شرع الله تعالى رخصة الفطر لمن يشُقُّ عليه أداء فريضة الصوم في رمضان لعذر، ثم يقضي بعد زوال العذر، وبيَّن سبحانه الأعذار التي تبيح الفطر؛ فقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
وأكدت أن المرض المبيح للفطر هو ما كان مؤديًا إلى ضرر في النفس، أو زيادة في العلة، أو تأخير في الشفاء، وذلك بإخبار أولي التخصص من الأطباء، بل إذا كان الصوم يضُرُّ بصحته فيجب عليه أن يفطر حفاظًا على نفسه من الهلاك، وإنما أبيح الفطر للمريض دفعًا للحرج والمشقة عنه.
واستشهدت دار الإفتاء بقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» رواه أحمد في "مسنده" من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وقول الله تعالى في خصوص الصوم: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
وذكرت دار الإفتاء أنه إن كان المرض مما يغلب على الظن الشفاء منه -وذلك بقول أهل الطب المتخصصين- وليس مزمنًا، وأفطر المريض بسببه، على أمل أن يقضيَ الأيام التي أفطرها بعد تمام الشفاء والعافية، ثم شُفِيَ لكنه لم يتمكن من قضاء الأيام التي أفطرها حتى مات، أو مات في مرضه هذا؛ فلا شيء عليه؛ لأنه يُشترَط لوجوب القضاء بلوغُ عدةٍ من أيامٍ أُخَرَ؛ كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]، ولم يبلغها بموته؛ فسقط في حقه القضاء، ولكونه غيرَ مخاطَبٍ بالفدية حال مرضه الذي يغلب على الظن شفاؤه منه بقول أهل الطب المتخصصين، وهذا ما عليه جمهور الفقهاء.



